ياسين كامله

لمحة نيوز

الخشب مابيجاملش، واللقمة اللي هتاكلها هنا، تمنها حفر في إيدك قبل ما يكون فلوس في جيبك.
مديت إيدي وخدت المريلة كأني بستلم وسام. لبستها،
وحسيت بتقل تاريخ أنا هربت منه سنين.
في اللحظة دي، شفت سعاد نازلة من البيت وفي إيدها صينية الفطار. وقفت لما شافتني.. الصينية كانت هتقع من إيدها، وعينيها اتملت بكلام كتير، عتاب ووجع وشوق مستخبي ورا سنين الحرمان.
مقدرتش أنطق، وطيت راسي وبدأت أصنفر حتة الخشب اللي قدامي بكل قوتي، كأني بصنفر القشرة الزيف اللي غطت قلبي طول العشر سنين اللي فاتوا.
ياسين قرب من أمه، وباس إيدها وقال لها بصوت مسموع
افطري يا ست الكل.. النهاردة فيه صبي جديد في الورشة، محتاجين نعلمه الأصول من أول وجديد.
سعاد بصت لي، وابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها كسرة بس فيها أمل.
وأنا.. لأول مرة من سنين، شميت ريحة
نفسي، وحسيت إن ثمرة الخشب بدأت تطلع في قلبي من تاني.
مَرّت الأيام في الورشة، وإيد المهندس فؤاد اللي كانت مابتلمسش غير الورق والشاشات، اتعودت على خشنة الصنفرة وتشققات الجلد. كنت بضغط على نفسي في الشغل لدرجة التعب، وكأني بقول لنفسي إن الوجع ده هو التمن اللي لازم أدفعه عشان أغسل ذنبي.
سعاد كانت بتنزل كل يوم بصينية الفطار، تحطها في سكات، تبتسم لياسين ابتسامة صافية، وتبص لي بصه هادية.. هدوء كان بيقتلني أكتر من الزعيق. كنت بدور في عينيها على ريحة عتاب، على بواقي حب قديم، حتى على شرارة غضب تخليني أعرف أتأسف.. بس ملقيتش غير سلام غريب، سلام الست اللي شافت وجع كبير وقدرت تعديه وتنتصر عليه.
في يوم، مابقتش قادر أسكت أكتر من كدة. سعاد كانت بتلم الأطباق، وياسين صوته مالي المكان وهو شغال بالمنشار جوه. قربت منها
وصوتي بيترعش
سعاد.. أنا عارف إن رجوعي متأخر أوي، وعارف إن ال 10 سنين اللي فاتوا مابيمتسمحوش بكلمة.. بس أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان نرجع بيت واحد تاني. الفيلا دي هبيعها، وهنبدأ هنا.. في بيتنا الأصلي اللي سيبته.
سعاد وقفت مكانها، مالتفتتش ليا. فضلت باصة للفراغ ثواني، وبعدين لفت ببطء. مكنش فيه دموع، كان فيه قوة غريبة مكنتش أعرف إنها عندها.
قالت بصوت رزين وثابت
إنت مابقتش غريب يا فؤاد، وإنت فعلاً بدأت ترجع لنفسك.. وده حاجة مفرحاني عشانك، وعشان ياسين اللي بقيت شايف في عينيه فخر بيك لأول مرة.
حاولت ألمس إيدها، بس سحبتها براحة وهي بتكمل
بس البيت اللي بتدور عليه مبقاش موجود.. إنت سيبت سعاد اللي كانت مستنياك ورا الباب، والست اللي واقفة قدامك دلوقتي هي اللي بنتها السنين والوحدة والشقا. الست دي مش محتاجة راجل
يكملها، هي اكتفت بنفسها وبالراجل اللي ربته وبقى سندها.
قطعت كلامها وأنا بترجاها أنا اتغيرت يا سعاد.. والله العظيم اتغيرت.
ابتسمت بوجع وقالت
عارفة يا فؤاد.. وعشان كدة مش عايزة أظلم التغيير ده. إحنا خلاص بقينا ضفتين، والنيل جرى مابيننا سنين طويلة أوي. ياسين هو الحبل اللي بيربطنا، وهيفضل كدة، لكن أنا وأنت.
. حكايتنا خلصت يوم ما قفلت الباب وراك وقررت إننا مش من مقامك. مش حقد والله، ولا انتقام.. بس الحب اللي كان، أنا خلصته كله وأنا بربي ابنك عشان ميطلعش قاسي زيك.
حطت إيدها على كتفي كأنها بتصبر صبي عندها في الورشة
خليك هنا يا فؤاد.. خليك جنب ابنك، اتعلم منه إزاي يكون للحاجة روح، وإزاي يكون للكلمة أصل. ده المكان الوحيد اللي ليك فيه حق.. أما قلبي، فخلاص، قفلت ورشته وسلمت مفاتيحها لربنا ولراحة البال.
سابتني
ومشت.. خطواتها كانت
تم نسخ الرابط