الوحش الساكت

لمحة نيوز

في صوتها مصر إيه ودكتور إيه؟ والغنم؟ والزرائب؟ إنت عارف المصاريف والوقت. دي شوية مرهم وهتروح.
أحمد مسك كتفها بحدة، ودي كانت أول مرة يلمسها فيها بالشكل ده يا سارة بصي في المراية بجد! وشك بدأ يميل ناحية الشمال من كتر ما هي شدة الجلد. الوحش ده بيكبر في سكات وإنتي مش واخدة بالك عشان مشغولة في الساقية.
سارة رجعت البيت، وقفت قدام المراية المكسورة، ونظفتها بحتة قماش. لما شالت الياقة خالص وبصت بالجنب، قلبها وقع في رجليها. تحت الفك مباشرة، كان فيه بروز غريب، لونه مائل للبنفسجي الغامق، وعروق رقبتها كانت نافرة حواليه وكأنها بتغذي الشيء ده.
تاني يوم، كانت في القطر المتجه للقاهرة. الزحمة، والدوشة، وريحة العوادم كانت بتخنقها، بس وجع غريب بدأ ينهش في كتفها فجأة، وكأن الكتلة دي بدأت تمد صوابعها وتضغط على أعصابها.
دخلت العيادة وهي لسه بهدوم الشغل، الجينز المعفر والقميص الكاروهات. الدكتور، راجل وقور بنظارة، أول ما شاف رقبتها، ملامحه اتغيرت تمامًا. ما سألهاش بتشتكي من إيه؟، سألها دي بقالها قد إيه يا سارة؟
شهرين.. تلاتة.. مش فاكرة يا دكتور، كانت مجرد قرصة.
الدكتور اتنهد تنهيدة طويلة وهو بيحس الكتلة بصوابعه، وبعدين بص في عينيها
مباشرة يا بنتي، الجسم لما بيصرخ
وجع بيبقى بيرحمنا، المشكلة في الحاجات اللي بتكبر من غير وجع. دي غدة ليمفاوية، بس الحجم ده والشكل ده بيقول إن في نشاط مش طبيعي بقاله فترة. إحنا لازم ناخد عينة فورًا، ونعمل إشاعة مقطعية.
سارة كانت قاعدة زي التايهة يعني إيه نشاط؟ هي مش قرصة وتتفتح؟
الدكتور مسك إيدها الخشنة يا سارة، دي ورم. والواضح إنه كان مستني اللحظة اللي يظهر فيها. إنتي كنتي بتديله طاقة جسمك كلها وهو بياكل فيكي وإنتي فاكرة إنك بتعافري مع الغنم.
النتيجة طلعت بعد كام يوم. ليمفوما سرطان الغدد الليمفاوية.
الصدمة ما كانتش في الاسم، الصدمة كانت لما سارة عرفت إن الوحش الساكت ده وصل للمرحلة التالتة. الدكتور قال لها بصراحة لو كنتي جيتي لما كانت قد حباية الرز، كان الموضوع خلص في أسبوع. دلوقتي إحنا داخلين حرب.
رجعت سارة مطروح عشان تلم حاجتها وتسلم الغنم لأحمد. وقفت في نص الصحرا، الهوا كان بيصفر، والغنم بيصيح. بصت لرقبتها في الانعكاس على شباك العربية، لمست الكتلة اللي بقت واضحة وبارزة زي علامة الخطر.
أحمد كان واقف بعيد، مش عارف يقول إيه. سارة بصت له وقالت بصوت مكسور بس فيه قوة غريبة عارف يا أحمد؟ طول عمري فاكرة إن الأرض هي اللي قاسية.. طلعت القسوة
الحقيقية جوانا، في السكات اللي بنفتكره
صبر، وهو في الحقيقة انتحار.
سارة سابت الجبل، وسابت الغنم، وراحت تبدأ رحلة الكيماوي. الوحش ما بقاش ساكت، بدأ يوجع، بدأ ينهش، بس سارة لأول مرة في حياتها قررت إنها تقف. مش عشان هي اتكسرت، بس عشان تتعلم إزاي تصلح الآلة اللي تجاهلتها سنين، قبل ما السكات يبلعها للأبد.
أيام الكيماوي كانت أصعب من أيام الجفاف في مطروح. سارة اللي كانت بتشيل شوال العلف لوحدها، بقت مش قادرة ترفع كباية المية. شعرها اللي كان دايماً مربوط ديل حصان ومعفر بتراب السكة، بدأ يقع على المخدة خصل خصل، لحد ما لقت نفسها قدام المراية قرعة تماماً، ورقبتها فيها أثر العملية والندبة الطويلة اللي بتفكرها كل يوم إن الوحش كان هنا.
في يوم، وهي قاعدة في أوضة المستشفى الضيقة في القاهرة، الباب خبط. دخل أحمد، كان لابس قميص مكوي وبنطلون نظيف، وشايل في إيده كيس فيه ريحة المرمرية والشيح بتاع الجبل.
سارة حاولت تداري راسها بالطرحة وهي مكسوفة، بس أحمد قعد على الكرسي اللي جنب السرير وقال بصوت هادي خبي إيه يا سارة؟ إنتي لسه سارة الجبل اللي بميت راجل.. والراس دي هي اللي كانت بتناطح الصخر، مش شوية شعر اللي هيغيروا قيمتك.
سارة دمعت لأول مرة الغنم عاملة إيه
يا أحمد؟ بعتهم كلهم؟
أحمد ضحك وهز راسه بعت النص
عشان مصاريف العلاج زي ما طلبتي، بس النص التاني.. النص التاني أمانة عندي. قسمتهم مع غنمي، وبيرعوا في الأرض بتاعتك. الأرض ما متش يا سارة، لسه مستنية صاحبها.
سارة سكتت شوية وبصت من شباك المستشفى على زحمة القاهرة تعرف يا أحمد؟ أنا كنت فاكرة إن القوة هي إني أدوس على وجعي وأكمل. كنت فاكرة إن جسمي ده مجرد مكنة بتخدم الأرض. بس اكتشفت إن الأرض من غيري ولا حاجة. الوحش اللي كان في رقبتي ده علمني إن لازم أسمع لنفسي. القرصة اللي استهترت بيها كانت رسالة، وأنا قطعت الجواب قبل ما أقرأه.
بعد شهور من التعب، والجرعات اللي كانت بتهد الحيل، والوجع اللي بيخلي العضم يزيق، بدأت التحاليل تتغير. اللون البنفسجي اللي كان في رقبتها اختفى، والورم اللي كان شادد وشها دبل وانسحب. الدكتور دخل عليها والابتسامة مالية وشه مبروك يا سارة.. الوحش نام، والجسم بدأ يطرد السموم. إنتي بطلة.
رجعت سارة مطروح. أول ما نزلت من العربية، ريحة الرمل والهوا الناشف ردت فيها الروح. رقبتها ما بقتش زي الأول، الندبة كانت لسه موجودة، علامة صح محفورة في جلدها بتقول إنها انتصرت.
راحت للزريبة، الغنم أول ما شافوها بدأوا يزعقوا بصوت عالي كأنهم عارفينها. أحمد كان واقف
مستنيها، مد إيده وناولها عصاية الرعي
بتاعتها.
سارة
تم نسخ الرابط