الوحش الساكت
مسكت العصاية وبصت للسما الواسعة وقالت المرة دي يا أحمد، هشتغل بس هسمع لصوت جسمي قبل صوت الغنم. اللي بيعيش لنفسه بيعيش بجد، واللي بيعيش للأرض بس.. الأرض في الآخر بتبلعه.
أحمد ابتسم وقال نورتي مطرحك يا سارة.. الجبل كان ناقصه قلب، والقلب رجع.
ومن يومها، سارة بقت بتمشي وسط الغنم، بس كل فترة، ترفع إيدها وتلمس الندبة اللي في رقبتها، تبتسم وتكمل، وهي عارفة إن القوة مش في الصمت عن الوجع، القوة في إنك تواجهه قبل ما يكبر وياكلك.
لكن الحكاية ما خلصتش عند مجرد الشفاء الجسدي، الاختبار الحقيقي كان في العودة.
سارة اكتشفت إن الرجوع للحياة القديمة بنفس العقلية القديمة هو انتحار تاني بس بالبطيء. أول أسبوع في مطروح، لقت نفسها بتمد إيدها عشان تشيل شوال علف تقيل، فجأة جسمها صرخ. مش وجع سرطان، لكنه وجع إنذار. سارة وقفت، نزلت الشوال من إيدها بالراحة، وقعدت على طوبة ناشفة وهي بتنهج.
أحمد شافها من بعيد، جرى عليها وهو مخضوض سارة! إنتي كويسة؟ تعبتي تاني؟
سارة بصت له وهي بتتنفس بصعوبة، وابتسمت ابتسامة صافية لأ يا أحمد.. أنا بس أول مرة في حياتي أقرر إني أسمع الكلام. الشوال ده مش هشيله لوحدي. زمان كنت هشيله وأنا بقطم في سناني، دلوقتي لأ.
أحمد ارتاح وهز راسه بالموافقة أيوة كده يا سارة.. هو ده الدرس اللي دفعنا تمنه غالي.
نقطة التحول
سارة بدأت تغير نظام حياتها في الجبل
المشاركة بدل ما كانت بتعمل كل حاجة لوحدها، بدأت تعين شباب من النجوع القريبة يساعدوها في الشغل التقيل مقابل نسبة من الغنم.
الوعي بقت حكيمة المنطقة. أي ست أو بنت في النجوع اللي حواليها يظهر لها علامة
غريبة أو تحس بتعب، تروح لسارة.
التصالح مع الندبة الندبة اللي في رقبتها ما بقتش بتداريها بالياقة العالية. بقت بتبان وهي فخورة بيها، كأنها وسام حرب.
في ليلة من ليالي مطروح الباردة، وسارة قاعدة مع أحمد قدام نار هادية وبيشربوا شاي زردة، أحمد سألها لسه بتخافي من الناموس يا سارة؟
سارة ضحكت من قلبها، وقربت إيدها من النار تدفيها مابقتش أخاف من الناموس، ولا حتى من الوحش الساكت. أنا بقيت أخاف من النسيان. أخاف إني أنسى في وسط الشغل إني إنسانة مش مكنة.
بصت لرقبتها في مراية صغيرة كانت في جيبها، لمست مكان الندبة، وقالت بيقين
الوحش الساكت اللي كبر في رقبتي ما جاش عشان يموّتني.. ده جه عشان يصحّيني. والحمد لله إني صحيت والضوء لسه طالع.
سارة كملت حياتها في قلب الصحرا، بس المرة دي بصوت مسموع، وروح قوية، وجسم هي عارفة قيمته كويس. الغنم كتر، والأرض اخضرت، وسارة فضلت ست الجبل اللي هزمت الصمت بالصبر، وهزمت المرض بالوعي.
السنين عدت، وسارة مابقتش مجرد مربية أغنام عادية، بقت أسطورة في صحرا مطروح. الناس بقوا ييجوا لها من أبعد النجوع، مش بس عشان يشتروا غنم، لكن عشان يسمعوا حكايتها.
في يوم، ظهرت بنت صغيرة من نجع بعيد، كانت جاية مع أبوها، والبنت كانت حاطة إيدها على كتفها وبتبكي من وجع بسيط في عضمها. الأب كان بيقول لها معلش يا بنتي، بكرة يخف، إحنا بتوع شقا.
سارة أول ما سمعت الجملة دي، حست بكهربا في جسمها. قامت وقفت، وراحت للبنت، وبصت في عين الأب بنظرة حادة وناشفة زي صخر الجبل
الوجع ما بيخفش بالسكوت يا حاج.. الوجع بيخف
لما بنواجهه.
الراجل انكسف من قوة شخصية سارة، وفعلاً سمع كلامها. وبعد أسبوع، رجع لسارة وهو بيبكي، بس المرة دي دموع شكر، لأنهم اكتشفوا بداية مشكلة كبيرة ولحقوها في أولها.
النهاية
في ليلة من ليالي الحصاد، سارة كانت واقفة فوق تلة عالية، الهوا بيخبط في وشها، وتحت رجليها مئات الرؤوس من الغنم بتمشي في نظام. أحمد قرب منها ووقف جنبها، وبص للأفق
تفتكري يا سارة، لو ما كانتش القرصة دي ظهرت.. كان زماننا فين دلوقتي؟
سارة سكتت لحظة، ولمست الندبة اللي في رقبتها بصوابعها الخشنة، وابتسمت ابتسامة هادية
كان زمان الأرض بلعتني يا أحمد وأنا لسه واقفة على رجلي. كان زماني مجرد حكاية عن ست شقية ماتت وهي بتعافر في صمت. الوحش ده كان قلم فوقني، عرفني إن الحياة مش بس تعب، الحياة كمان إنك تقدر قيمة النفس اللي طالع وداخل.
سارة بصت للنجوم اللي مالية سما مطروح، وحست بسلام داخلي ملوش وصف. مابقتش بتخاف من بكرة، ولا بتخاف من المرض، لأنها اتعلمت الدرس الأهم
إن أصدق صوت في الكون هو صوت جسمك.. فاسمع له قبل ما يضطر يصرخ عشان تنتبه.
نزلت سارة من فوق التلة، بخطوات واثقة وهادية، والكلب بتاعها بيجري قدامها، والندبة اللي في رقبتها بتلمع تحت ضوء القمر.. كأنها وسام شجاعة لست هزمت الوحش الساكت، وعاشت تحكي الحكاية.
ومع مرور الوقت، سارة قررت إن رسالتها مش هتقف عند حدود زريبتها. في قلب النجوع، وبمساعدة أحمد، بدأت سارة تخصص يوم في الأسبوع تجمع فيه ستات الجبل. في الأول كانوا بييجوا مكسوفين، أو شايفين إن كلامها دلع
بنات،
كانت بتقلع الشال وتوريهم الندبة بكل فخر وتقولهم
دي مش
جرح.. دي خريطة النجاة بتاعتي. اللي تسكت على تعبها بتخون نفسها قبل ما تخون عيالها.
أحمد، اللي كان دايمًا في ضهرها، بدأ يساعدها بجد. وبقوا ينسقوا مع قوافل طبية بتيجي من مطروح ومن القاهرة مخصوص عشان نجع سارة. المنطقة اللي كانت منسية ومقطوعة من الخدمات، بقت بفضل قرصة الناموس القديمة دي، من أكتر الأماكن اللي فيها وعي صحي في الصحرا الغربية.
المشهد الأخير
في يوم شتوي دافي، سارة كانت قاعدة بتبص على صور قديمة ليها وهي هزيلة وتعبانة، وبصت لنفسها دلوقتي في المراية. وشها رجع فيه الدم، وعينيها فيها لمعة حياة مش لمعة تعفير وشقا.
دخل عليها أحمد ومعاه صرة صغيرة، فتحها لقت فيها عقد بسيط من الفضة البدوي.
أحمد بص للندبة اللي في رقبتها وقالها العقد ده مش عشان يداريها.. ده عشان يبروزها. إنتي ست مفيش منها اتنين يا سارة.
سارة لبست العقد، والفضة لمست مكان الجرح القديم، وكأن البرودة بتاعة المعدن بتطبطب على الوجع اللي فات. خرجت بره البيت، شمت هوا الصحرا اللي ريحته زعتر وشيح، وبصت للأفق الواسع.
مبقتش سارة مربية المواشي الشقيانة بس، بقت سارة الحكيمة.
الوحش اللي كان عايز ينهي حكايتها، بقى هو السبب إن حكايتها تبدأ بجد.
رفعت راسها للسما، وضحكت ضحكة هزت سكون الصحرا، وهي عارفة إن كل يوم بيعدي عليها وهي بصحتها، هو انتصار جديد. الأرض فضلت زي ما هي، والغنم فضلت زي ما هي، بس سارة هي اللي اتغيرت.. عرفت إن أقوى أنواع الصبر مش إنك تستحمل الوجع، لكن إنك تصبر على رحلة الشفا.
وانتهت قصة الوحش الساكت اللي لقى قدامه ست جبل ما بتعرفش تستسلم، وتحولت
تمت