طلبات البيت كامله

لمحة نيوز

اللي فرط فيه ببرود.
في وسط اللمة دي، حمزة كان قاعد بيسمع تعليقات إخواته على لبس ولادهم الجديد، والذهب اللي بيلمع في إيد أخته، والفلوس اللي كانت في ظرف الجمعية بقت هي اللي بتغطي كل المصاريف دي. أمه قامت بكل بساطة، شالت أحلى طبق محشي وأصناف العيد وخبته في النيش عشان تطلعه لأخته وهي ماشية، وحمزة قاعد بيبص لها، ومحدش حتى سأله أنت كلت؟ أو العيال ناقصهم حاجة؟.
حس إن كل لقمة بياكلها في بيت أهله بقت تقيلة على قلبه، وكأنها بتفكره باللقمة اللي اتحرمت منها أنا وولادي عشان خاطرهم. بدأ يراجع شريط الأيام اللي فاتت، افتكر صوتي لما كنت بقوله الجمعية دي شقاي، وافتكر بروده لما قالي الستات بتتصرف. الموقف اللي كان فاكر إنه فيه راجل بيوصل رحمه، اتحول في نظره لصورة واحد مخدوع باع بيته ومراته اللي شايلين همه، عشان يشتري مكانة في بيت أهله، وفي الآخر طلع هو الخارج من الحسابات.
بص في الساعة، الوقت كان بيعدي ببطء، والبيوت التانية كلها كانت بتتهنى بالعيد، إلا بيته هو.. بيته اللي بقى خاوي، والهدوء اللي فيه دلوقتي بقى بيخوفه أكتر من صوت خناقاتنا. قام وقف فجأة، ومن غير ما يستنى إذن من حد، لبس جزمته وخرج
من بيت أهله. كان ماشي في الشارع والهدوء بيحاوطه، مفيش في دماغه غير صورتي وأنا بلم هدومي، وصوت قفلة الباب اللي كانت أول جرس إنذار حقيقي في حياتنا، وإحساسه بالخيبة اللي لأول مرة يعترف بيه لنفسه إنه فعلاً ضيع أغلى حاجة.
مشي ناحية بيت أهلي، وعيونه كانت بتدور على شباك الأوضة اللي أنا قاعدة فيها، كان بيحاول يجمع شجاعته عشان يواجهني، بس لأول مرة، كان عارف ومدرك إنه مش رايح يأمر ولا ينهي، هو رايح يترجى غالية ترجع للبيت.
وقفت قدام باب بيت أهلي، وسمعت صوت خطواته المترددة على السلم. لما فتحت الباب، لقيته واقف، ملامحه مهدودة، وعيونه بتدور على أي بصيص أمل في عيوني. دخل وقعد بكسرة، وبدأ يترجاني يا غالية، ارجعي البيت، البيت وحش من غيرك.. أنا غلطت ومش هعمل كدة تاني، ارجعي وهعوضك عن كل لحظة زعل.
بصيت له ببرود، الوجع اللي كان جوايا مش كلامه اللي هيمحيه، رديت بصوت واثق
آسفك ملوش مكان دلوقتي يا حمزة.. أسفك هيفيدني بإيه؟ هيرجع لي التعب اللي شقيته طول الشهور اللي فاتت عشان ألم قرش على قرش في الجمعية؟ كنت بحلم بليلة عيد أفرح فيها في بيتي، وبكلمة منك ضيعت كل ده. أنا مش مجرد ست بتنظف وتطبخ، أنا شريكة،
وكرامتي قبل فلوسي.
حاول يبرر، وقال بنبرة مكسورة أنا عارف إني غلطت، وأوعدك إني هتصرف وأجيب لك فلوسك دي، حتى لو هروح لأمي أستلف منها اللي هي خدته، المهم ترجعي.
ضحكت ضحكة فيها مرارة، وقلت له
تستلف من أمك؟ أنت فاكر إنها هتديك مليم؟ ده هي اللي شالت الفلوس عشان بنتها، أنت لسه مش عايز تصدق؟ أمك مش هتديك حاجة، وأنا مش هستنى فضل من حد، ولا هستنى تستلف من حد عشان ترد لي حقي. أنت اللي اتصرفت من ورا ضهري، أنت اللي تدبر نفسك.
بص لي بذهول، كان متخيل إني ممكن ألين بمجرد ما يفتح سيرة الاستلاف من أهله، بس هو ما كانش عارف إن السكينة اللي في قلبي خلتني أشوف الأمور بوضوح، وشافت إنه لسه بيحاول يهرب من المسؤولية برمي الكرة في ملعب أهله، بدل ما يواجه هو نتيجة غلطه.
خرج من عندي وهو في حالة تشتت، وراح لأمه وهو بيجر أذيال الخيبة، محمل بالأمل الأخير إنها تفهمه وتساعده يرجعني. دخل عليها، وحكى لها اللي حصل، وطلب منها المبلغ اللي أخدته عشان يجبر بخاطر أخته، عشان يرجعه لي وأنا أرضى أرجع.
بصت له أمه ببرود، وقالت بصوت حاد استلف؟ تستلف إيه يا ابني؟ الفلوس دي راحت في صلة الرحم، وأختك كانت محتاجة، والفلوس اللي
بتدخل بيت الأم مابترجعش تاني. وبعدين أنت جاي تطلب مني فلوس عشان مراتك؟ دي اللي سابت البيت ومشيَت؟ خليها تتربى!
في اللحظة دي، نزل الكلام على حمزة زي الصاعقة. لأول مرة، قناع البر اللي كان مداري بيه كل حاجة اتكسر. بص لأمه، وشاف لأول مرة الأنانية اللي كان بيبررها سنين، وشاف إنها فعلاً مش شايفة غير مصلحة بنتها، وهو بالنسبة لها مجرد مصدر دخل.
وقف وبص لها بعينين مكسورة بس فيها لمعة تمرد، وقال لها بصوت رجولي حازم بما إن الفلوس راحت ومافيش حل، فأنا عرفت دلوقتي مين اللي بيحبني ومين اللي بيحب جيبي. اسمعي يا أمي، المصروف الشهري اللي كنت ببعتهولك من ورا مراتي، ده هيتوقف من الشهر ده. بيتي أولى بيه، وعيالي أولى بالقرش ده. معاشك بيكفيكي، واللي فات من دعمي ليكي ولأختي كفاية أوي.. أنا من هنا ورايح هصرف نفسي وأبني بيتي اللي هدمته بإيدي عشان أرضيكم.
صدمة أمه كانت واضحة على وشها، فتحت بقها من الذهول وكأنها مش مصدقة إن الابن المطيع اللي كان بيديها كل حاجة من ورا مراته، واقف دلوقتي بيحط حد لكل ده. ملامحها اتغيرت من الكبرياء للغضب، بس حمزة ما استناش رد، سابها وخرج.. ولأول مرة، كان حاسس إنه راجل قرر
يصحح مساره،
خرج
تم نسخ الرابط