مرات ابنى بقلم رومانى مكرم
المحتويات
ومعاهم أمر ضبط وإحضار لمروة! مروة منهارة وفاقدة النطق وجالها انهيار عصبي.. تعالى ارجوك، مهما كان دي مراتك وأم عيالك، إحنا ملناش غيرك في المحنة دي!
محمود اتلخبط، الغضب اللي كان جواه من لوي الدراع والتهديد اتمسح فجأة وحل محله الخوف على ولاده وعلى اسم بيته. بص لأمه، فاطمة لقت في عينه نظرة الحيرة، لوت بوزها وقالت بنبرة حازمة إياك تروح يا محمود! إياك تروح ترمي نفسك في النار عشان وحدة بغت عليك ودمرت بيتك وكانت عايزة ترميك في السجن! ربنا جابلك حقك لحد عندك، سيبها تتدبر في اللي عملته.
محمود مسك إيد أمه وقال بوجع يا أمي، ولادي! عيالي هناك وشايفين أمهم والبوليس بياخدها! اسمي واسم ولادي هيتمرمط في الأرض! أنا لازم أروح أشوف العيال على الأقل.
ساب محمود أمه ونزل يجري، ركب أول عربية وطلع على بيت أهل مروة. لما وصل، لقى الشارع مقلوب، وعربية البوكس واقفة قدام العمارة والناس متجمعة بتتفرج. محمود زق الناس ودخل بسرعة، طلع الشقة لقى الباب مفتوح، وأبو مروة قاعد على الكرسي حاطط راسه بين إيديه وبيعيط، وأمها نايمة في الأرض ومغمى عليها من الصدمة.
مروة كانت واقفة في النص، بس مكنتش مروة بتاعة الصبح.. مكنتش الست الأنيقة القوية اللي بترفع حاجبها وتتحدّى بالورقة والقلم. كانت لابسة عباية بيتي بسيطة، شعرها منكوش، وعينيها مليانة رعب ودموع، وإيدها بتترعش والكلابشات الحديد بتتحط في إيدها من عساكر المباحث.
أول ما عينيها جت في عين محمود، صرخت بأعلى صوتها وارتمت عليه والحديد في إيدها محمود! الحقني يا محمود! والله العظيم مظلومة! هما اللي لبسوني القضية في الشركة عشان يداروا على الحيتان الكبيرة! متسيبنيش يا محمود عشان خاطر عيالك!
محمود بصلها بوجع وقهر، الست اللي من كام ساعة كانت بتمضيه على قرار إلغاء وجوده، دلوقتي بتستنجد بيه وبتتمسح في رجولته. الضابط بص لمحمود وقال أنت جوزها يا أستاذ؟ محمود قال أيوة يا فندم. الضابط قال المدام متهمة بتحويل مبالغ ضخمة لحسابات برة مصر، وفي عقود وشيكات باسمها ثبت إنها مزورة. اتفضل معانا على القسم لو عاوز تتابع الإجراءات.
محمود بص على أوضة الأطفال، لقى عياله قاعدين في الركن بيبكوا وركبهم في سدرهم من الخوف. جري عليهم وأخذهم وفضل يبوس فيهم، ودموعه نازلة على وشوشهم. مروة أخدوها العساكر ونزلوا بيها وسط زفة من همس وتفرج الجيران، المشهد كان كفيل يكسر أي حد.
عدت ساعات الليل في القسم تقيلة كأنها دهور. محمود وقف مع المحامين، وعياله أخذهم معاه وروح بيهم على بيت أمه في أسيوط عشان يبعّدهم عن الفضيحة.
لما دخل البيت والعيال نايمين الحاجة فاطمة أول ما شافت عيال ابنها، قلبها حن، جريت عليهم وأخذتهم وقعدت تعيط يا حبيبي يا واد أنت وهي.. ذنبكم إيه في اللعبة دي؟ بصت لمحمود وقالت المحامين قالوا إيه يا محمود؟
محمود قعد على الكنبة بتعب وهلاك الموضوع كبير قوي يا أمي.. مروة باعت الدهب عشان تكمل الفلوس اللي كانت ناقصة من العهدة اللي تحت إيدها في الشركة عشان تداري على العجز قبل ما تسافر العمرة، بس المراجعة السنوية للشركة الإنترناشونال كشفت كل حاجة في نفس اليوم اللي سافرت فيه. يعني العمرة دي كانت هروب وتغطية، مش بر بأبوها وأمها!
فاطمة لطمت على صدرها يا مري! يعني كانت بتلعب بينا وكل القوة والورق اللي عملته ده عشان تداري على مصيبتها؟
محمود أخد نفس طويل، وبص للورقة القديمة اللي كانت مروة مقطعاها في مكتب المحامي، ولقى في جيبه ورقة تانية الضابط ادهالها كانت مروة كاتباها بخط إيدها وهي في الحجز وبتبعت هاله مع العسكري..
محمود فتح الورقة يقرأها،
الجزء السابع
الورقة كانت مكرمشة، ومكتوبة بخط إيد مرعوش، والحبر جاف وممسوح في بعض الحتت من دموع مروة. محمود فتحها وهو حاسس إن جواه بركان هادي ومستني شرارة. عينيه جت على السطور، ومكتوب فيها
محمود.. أنا عارفة إني دوست عليك وعلى طنط فاطمة، وعارفة إن السجن اللي أنا فيه دلوقتي هو ذنب الكسرة اللي كسرتها لكرامتك. بس وحياة أولادنا اسمعني للآخر وماترميش الورقة دي. الفلوس اللي اختلستها من الشركة أنا ما أخدتهاش لنفسي ولا سفرت بيها بابا وماما.. الفلوس دي أنا سددت بيها وصلات أمانة وشيكات قديمة على أخوك أحمد! أحمد كان مضحوك عليه في صفقة استيراد من سنة، وكان هيتحبس، وجالي وعيط تحت رجلي وقال لي ألحقيه من الفضيحة ومن الحبس ومن طنط فاطمة عشان قلبها ميتكسرش عليه.. أنا أخدت الفلوس دي وحميت أخوك يا محمود! ودهبي بعته عشان أسدد العجز اللي عليا لما الشركة بدأت تراجع الحسابات.. أخوك هو السبب في كل اللي أنا فيه، وهو اللي سابني أواجه مصيري لوحدي وسافر برة مصر من أسبوع! اسأله واسأل طنط فاطمة لو كانت تعرف.. أرجوك يا محمود متسيبنيش.
محمود حس إن النفس اتقطع من صدره. الورقة وقعت من إيده على الأرض كأنها حتة جمر. لف وشه وبص لأمه، الحاجة فاطمة، اللي كانت قاعدة بتطبطب على العيال وهما نايمين. النظرة اللي في عين محمود كانت مرعبة، نظرة شك وقهر وعتاب ملوش آخر.
قرب من أمه بخطوات بطيئة، نبرة صوته كانت واطية وناشفة لدرجة تخوف أمي.. أحمد أخويا فين؟
فاطمة اتخضت من نبرة صوته، ولفت وشها الناحية التانية وقالت بتوتر باين في صوتها أخوك؟ ما أنت عارف يا محمود، سافر الإمارات من أسبوع عشان جاله عقد شغل هناك.. ربنا يرزقه ويصلح حاله.
محمود وطى على الأرض، جاب الورقة من تحت السرير، وحطها في وش أمه اقري يا حاجة فاطمة.. اقري شقا عمر مرات ابنك راح فين! اقري الست اللي كنتِ بتقولي عليها حرباية وحيزبونة وحرامية، شالت فضيحة ابنك الكبير إزاي!
فاطمة مسكت الورقة، وأول ما عينيها جت على اسم أحمد، وشها اتقلب وبقى أبيض زي الورقة. فضلت تبرطم بكلام مش مفهوم، والسبحة وقعت من إيدها واتفرطت حباتها على الأرض، وصوت دبات الحبات على البلاط كان زي دقات الطبول في ودن محمود.
محمود صرخ بصوت هز جدران البيت كنتِ عارفة يا أمي؟! كنتِ عارفة إن أحمد مديون وإن مروة هي اللي شالته؟!
فاطمة عيطت ودارت وشها يا ابني.. أحمد جالي وكان هيروح في داهية، و قالي إن مروة ساعدته من معاها.. مكنتش أعرف إنها سارقة الفلوس من شركتها! مكنتش أعرف إن الموضوع هيوصل للأموال العامة والحبس! أنا كنت فاكرة إنها بتعايرنا بفلوسها وشغلها، فقلت أكسر مناخيرها عشان متذلش أخوك وتذلّك!
محمود قعد على الأرض، حط راسه بين ركبه وفضل يضحك بوجع ومرارة تكسري مناخيرها؟ دي كانت بتلوي دراعي عشان مديونة ومكسورة! دي كانت بتعمل شروط وقضايا عشان تخليني أقف جنبها وأحميها من الشركة لما الموضوع يتكشف! دي كانت بتستنجد بيا بطريقتها الناشفة وعنادها اللي اتعودت عليه من صغرها.. وإحنا قعدنا ندوس عليها ونشمت فيها الجيران!
البيت كله بقى في حالة ذهول. الحقيقة ظهرت، بس بعد ما كل حاجة اتهدت. مروة محبوسة بتهمة اختلاس، وأحمد هربان برة البلد، والحاجة فاطمة قاعدة وسط حبات سبحتها المفرطة وهي حاسة بذنب خربان بيت ابنها الوحيد اللي صانها وصان أخوه.
محمود قام وقف، مسح دموعه، وبص لأمه بنظرة أخيرة
فاطمة صرخت بيت أبويا يا محمود؟ ترهنه للبنك عشانها؟
محمود رد وهو بيفتح باب الشقة عشان الشرف والأصول والدم اللي قلتِ لي مبيتمنوش بفلوس يا أمي.. مروة صانت شرف أخويا، وأنا هصون شرفها وشرف ولادي.. حتى لو هعيش طول عمري ماليش مأوى.
خرج محمود من البيت والليل كان في آخره، طلع على القاهرة ووصل قدام مبنى النيابة الصبح بدري، ومعاه المحامي بتاعه وورق رهن البيت والشيكات الجديدة.
دخل المحامي، وبعد ساعتين خرج ومعه مروة..
مروة كانت خارجة، عينيها ذبلانة، والكسرة باينة في خطواتها، وأول ما شافت محمود واقف مستنيها ومعاه شنطة هدوم نظيفة، وقفت ومقرتش تتحرك خطوة..
محمود قرب منها، قلع جاكت البدلة بتاعه وحطه على كتافها وقال حمد الله على السلامة يا أمي ولادي.. بيتك وشقتك مستنيينك.
مروة بصت له والدموع نازلة زي المطر، وقالت بصوت مكسور ومبحوح محمود.. أنا..
وقبل ما تكمل كلمتها، لفت عربية سودا شيك جداً ووقفت قدام باب النيابة، ونزل منها راجل لابس نظارة شمسية، وبص لمروة ومحمود وقال بنبرة مليانة تهديد جديد مفتكرتش إن الخروج بالسهولة دي يا مدام مروة.. الفلوس اللي سددتوها دي جزء من حسابات مصر.. بس الحسابات اللي برة مصر.. لسه حسابها مجاش!
الجزء الثامن
الراجل صاحب العربية السودا وقف وبص لمروة بنظرة غامضة، النظارة الشمسية كانت مخبية عينيه لكن نبرة صوته كانت كفيلة تخلي الدم يتجمد في عروق محمود ومروة. المحامي بتاع مروة قرب بسرعة ووقف في النص وقال بنبرة جادة أنت مين يا فندم؟ وبأي صفة بتكلم موكلتي؟ النيابة أفرجت عنها بكفالة والشركة استلمت جزء من المبالغ.
الراجل قلع النظارة الشمسية، وبان في عينيه لؤم وذكاء ثعلب، وطلع كارنيه من جيبه ولمحه للمحامي وقال أنا الأستاذ شريف، المستشار القانوني الإقليمي للمجموعة الإنترناشونال في الشرق الأوسط. الفلوس اللي جوزها الأستاذ محمود سددها برهن البيت دي تخص فرع الشركة في مصر، ودي خلت النيابة هنا تفرج عنها على ذمة القضية.. لكن التحويلات اللي تمت لفرع الشركة في دبي باسم أخوك يا أستاذ محمود، أحمد، دي قضية تانية خالص ومرفوعة في دولة الإمارات، وهناك مفيش هزار.
محمود حس إن الأرض بتهتز تحت رجليه من تاني، بص لمروة اللي رجعت لورا خطوة ووشها بقى زي الليمونة من الخوف، ومسكت في دراع محمود بقوة وهي بتترعش محمود.. أنا معرفش حاجة عن حسابات دبي! والله العظيم أحمد هو اللي طلب مني أعمل التحويل ده من السيستم الداخلي للشركة وقال لي إنه حساب عميل، معرفش إنه حسابه الشخصي!
شريف ضحك بسخرية وهو بيلبس نظارته تاني القانون لا يحمي المغفلين يا مدام مروة. التوقيع الإلكتروني وال IP اللي استخدم في التحويل يخص جهازك وباسوردك إنتِ. وأخو جوزك، الأستاذ أحمد، أول ما وصل دبي سحب الفلوس كاش واختفى، والإنتربول الدولي دلوقتي جاري إخطاره. قدامكم ٤٨ ساعة بالعدد، لو الفلوس اللي برة مرجعتش، أمر الضبط والإحضار هيتحول لطلب تسليم دولي، والمرة دي مش هتشوفي النور.
ركب شريف عربيته السودا ومشي، وسابهم في وسط الشارع والشمس الحامية بتحرق في نفوخهم. محمود بص لمروة وقال بصوت مكتوم ومليان مرار أحمد عمل كل ده؟ سرق الشركة هنا وهناك؟ وهرب وسابك في المدفعة؟
مروة قعدت على الرصيف وفضلت تعيط بحرقة أنا غبية يا محمود.. غبية! وثقت
المحامي أخد محمود على جنب وقال له يا أستاذ محمود، الموقف بقى جحيم. رهن البيت غطى قضية مصر، لكن قضية دبي مبالغها بالدولار، ولو الإنتربول دخل في الموضوع، مروة هتتسجن هنا أو تترحل، والبيت اللي إنت رهنته هيضيع لو مدفعناش أقساط البنك. لازم نوصل لأخوك أحمد في أسرع وقت.
محمود مأستناش، أخد مروة وركبوا العربية ورجعوا على أسيوط. طول الطريق مفيش مخلوق نطق بكلمة، الصمت كان أتقل من الجبال. مروة كانت بتبص من الشباك والدموع مابتفارقش عينها، ومحمود إيده على الدريكسيون وعقله بيلف في ساقية مابتوقفش.. إزاي أخوه من دمه يبيعه ويبيع مراته ويخرب بيته بالشكل ده؟
وصلوا البيت على المغربية. أول ما دخلوا من الباب، العيال جريوا على مروة وفضلوا ويعيطوا ماما.. وحشتينا يا ماما! كنتِ فين؟ مروة ارتمت في الأرض وأخذتهم وفضلت تبوس فيهم وهي منهارة.
الحاجة فاطمة كانت واقفة في الصالة، وشها كان باين عليه العجز والندم، بصت لمروة بعينين مكسورة، وقربت منها بخطوات ثقيلة وقالت بصوت مرعوش حمد الله على السلامة يا بنتي.. حقك عليا يا مروة، أنا ظلمتك.
مروة بصت ل الحما ونزلت عينيها الأرض وقالت بتعب الله يسامحك يا حاجة فاطمة.. إحنا بيتنا اتهد خلاص، وأحمد ابنك مسبش لينا حاجة نبكي عليها.
محمود دخل الصالة وهو ماسك الموبايل وبيحاول يتصل على رقم أحمد الدولي، لكن الخط كان دايماً مقفول أو غير متاح. رمى الموبايل على السفرة بعنف وصاح في أمه أخويا الحنين.. ابنك الغالي يا حاجة فاطمة! طلع سارق ملايين وهربان في دبي، ومروة والبيت كله هيروحوا في داهية بسببه! اتصلي بيه.. شوفي أي طريقة توصلي له بيها قبل ما الإنتربول يجيبه!
فاطمة قعدت تلطم على وشها وبكت والله العظيم ما معايا ليه رقم يا محمود! ده قالي إنه رايح يشتغل بعقد حلال! يا واد خيبتي فيك يا أحمد.. يا فضيحتنا وسط الناس يا ابني!
في وسط الصريخ والدموع، تليفون محمود اللي على السفرة رن بنغمة غريبة.. مكنش اتصال عادي، ده كان اتصال فيديو من رقم دولي مخفي. محمود جِري على التليفون وفتح الخط بسرعة، وظهرت الشاشة..
كان أحمد! قاعد في مكان شبه الكافيهات الفخمة في دبي، لابس قميص شيك، بس ملامح وشه مكنتش ملامح واحد هربان ومبسوط، كان باين في عينه الرعب، وفيه صوت دوشة وحركة غريبة وراه في الكادر.
محمود صرخ في الشاشة أحمد! يا خاين يا حرامي! بعتني وبعت مراتي وخربت بيتي؟ مروة كانت هتحبس بسببك والبيت اترهن!
أحمد بكى في التليفون وقال بصوت يترعش محمود! الحقني يا محمود! الفلوس مش معايا.. الفلوس أخدوها مني هنا!
محمود اتصدم وقال أخدوها منك مين؟! أنت بتقول إيه؟
أحمد لف الكاميرا بتاعة الموبايل بسرعة، وظهر في الكادر اتنين رجالة بجسم ضخم ولابسين بدلات سودا واقفين وحاوطينه، وواحد منهم قرب من الكاميرا، ووشه مكنش غريب على محمود ومروة.. ده كان نفس الراجل صاحب العربية السودا، شريف، المستشار القانوني للشركة!
شريف ابتسم في الكاميرا وقال لمحمود ومروة بكل برود قلت لكم الحسابات اللي برة مصر لسه حسابها مجاش.. الأستاذ أحمد شرفنا هنا والفلوس رجعت لخزنة الشركة في دبي بالكامل.. بس اللعبة لسه مخلصتش يا أستاذ محمود.. لأن أخوك مضى هنا على ورق جديد، يخليك إنت ومروة تعملوا اللي هقولكم عليه بالظبط.. وإلا أحمد مش هيرجع مصر تاني واصل!
محمود ومروة وبصوا للشاشة بذهول ورعب، والحاجة فاطمة وقعت من طولها على الأرض وأغمى عليها..
الجزء التاسع
الدنيا اسودت في عين محمود،
متابعة القراءة