مرات ابنى بقلم رومانى مكرم

لمحة نيوز

على الحاجة فاطمة تفوقها، والعيال بدأوا يصرخوا من الرعب. محمود كان ماسك الموبايل وإيده بترمى زي اللي ماسك كهربا، وعينيه مثبتة على شاشة الفيديو.. على وش شريف اللي باين وراه ملامح أحمد وهو مكلبش ومكسور وسط رجالة دبي.
محمود صرخ في التليفون وصوته شرخ من القهر شريف! أنت مين بالظبط؟ وداخل بيتي وحياتي بصفتك إيه؟ مادام الفلوس رجعت للشركة في دبي، عايز مننا إيه تاني؟ وورق إيه اللي مضيت أخويا عليه؟
شريف ضحك ضحكة باردة رجعت الصدى في ودن محمود، وقال وهو بيعدل ياقة جاكته أنا الساطور اللي الشركة بتنزله لما الحسابات تلعب يا أستاذ محمود. الفلوس اللي رجعت دي حق الشركة، لكن أخوك الجاهل ده وهو بيحول المبالغ من السيستم في مصر لدبي، استخدم أكواد سرية تخص صفقات دمج واستحواذ للمجموعة مع مستثمرين أجانب.. يعني القضية مبقتش مجرد اختلاس قرشين، دي بقت قضية تسريب أسرار شركات وجاسوسية اقتصادية! وأخوك البطل مضى هنا على إقرار إن مروة هي اللي أدته الأكواد دي بالاتفاق معاه عشان يبيعوها لشركة منافسة!
مروة سابت الحاجة فاطمة وقامت وقفت، وجريت على التليفون وصرخت وعينيها طالعة لبرة من الصدمة كذاب! والله العظيم كذاب يا شريف! أحمد جالي باكي ومكسور وقال لي ساعديني في وصلات أمانة، وميعرفش حاجة عن الأكواد دي ولا أنا أعرف! أنت بتلبسنا قضية أمن دولة عشان تداري على الحرامية الكبار اللي في الإدارة الإقليمية!
شريف صباعه ظهر في الكاميرا وهو بيشاور ليهم بتحذير صوتك ميعلاش يا مدام مروة.. الحيتان الكبيرة اللي بتتكلمي عنهم هما اللي باعتني أقفل الملف ده باللي فيه. الورق اللي معاي يوديكِ أنتِ وأخو جوزك ورا الشمس في قضية ملهاش قومة. لكن أنا راجل عملي.. وبحب الصفقات.
محمود بلع ريقه وحس بمرارة في حِلقه، وبص لأحمد اللي كان بيبكي في الشاشة ويقول ببوس رجلك يا محمود.. امضي على اللي هيقولك عليه.. هيموتوني هنا يا محمود!
محمود قال لشريف بنبرة مكسورة وميتة عايز إيه يا شريف؟ اخلص وقول شروطك.. مبقاش عندنا حاجة نخسرها.
شريف عدل الكاميرا وظهر وشه بالكامل وقال بكل جديّة الشركة الكبيرة المنافسة لينا عارضة منصب إقليمي كبير في فرع القاهرة، والمنصب ده محتاجين حد يكون عينه جواها.. حد زيك يا مدام مروة! أنتِ هترجعي الشغل في شركتنا عادي، وهتوافقي على العرض اللي هيجيلك من الشركة المنافسة الأسبوع الجاي، وتشتغلي معاهم.. بس لحسابنا إحنا! تنقلي لنا كل خطوة وكل صفقة بيخططوا ليها في السوق المصري. وفي المقابل.. ورق أحمد هيفضل في درج مكتبي، ومروة هتاخد براءة في قضية مصر، وأخوك هيرجع بكرة على أول طيارة.
مروة رجعت لورا خطوتين وحطت إيدها على بوقها عايزني أشتغل جاسوسة؟ عايزني أبقى حجر شطرنج في حربكم القذرة وتلوا دراعي بأخو جوزي؟
شريف ابتسم وقال تقدري تسميها مستشارة معلومات، والوقت بيجري.. قدامكم لحد بكرة الصبح، يا مروة تيجى مكتب القاهرة وتمضي عقد المهمة الجديدة.. يا إما الإنتربول هيتحرك، والقضية هتنزل في الجرايد بكرة بالليل باسم عيلتكم الكريمة.. فكروا كويس.
الخط قطع، والشاشة اسودت.
الأوضة رجعت هس هس تاني، بس كان هدوء مرعب، ملوش أول من آخر. الحاجة فاطمة بدأت تفوق وتئن وهي بتفتح عينيها بتعب، وبصت لمحمود وقالت بصوت ضعيف ومبحوح أحمد.. أحمد حابسوه يا محمود؟ هيموتوه في الغربة؟
محمود مبصش لأمه، كان باصص لمروة اللي كانت واقفة في نص الصالة، مكسورة وضايعة، والنور بتاع الشارع عاكس على وشها اللي تاهت منه كل ملامح القوة.
محمود قرب منها، مسك إيدها اللي كانت بتترعش وقال بصوت حنين وموجوع مروة.. أنا رهنت البيت وضيعت شقا أمي وشقايا عشان أحميكِ.. ودلوقتي هما عايزين يرهنوا شرفك وشغلك عشان يحموا أخويا الخاين. أنا مش هجبرك على حاجة.. دي حياتك ودي كرامتك، وإنتِ اللي تختاري.
مروة بصت لمحمود، ولأول مرة من يوم ما بدأت الحكاية، نظرة التحدي والعناد والبرود اختفت تماماً من عينيها.. وحل مكانها نظرة ست لقت سندها في الوقت اللي الكل
باعها فيه. نزلت دمعة سخنة على خدها، وبصت ل الحما الحاجة فاطمة اللي كانت بتبكي على السرير، وقالت بصوت واطي وثابت
أنا هسافر القاهرة الصبح يا محمود.. وهروح لشريف.
محمود اتصدم وقال هتوافقي تبقي معاهم؟
مروة ابتسمت ابتسامة غامضة جداً، بس مكنتش مخيفة زي بتاعة زمان.. كانت ابتسامة ذكاء وقوة راجعة من وسط الرماد، وقالت مروة مابتتكسرش يا محمود.. وشريف فاكر إنه ماسك خيوط اللعبة، ومايعرفش إن اللي بيشتغل في الشركات الإنترناشونال السنين دي كلها، بيبقى معاه نسخ من كل ملف.. حتى الملفات اللي شريف فاكر إنه داراها! هروح ومضى.. بس اللعبة من بكرة هتديرها مروة.. وعلى طريقتي أنا!
الحاجة فاطمة قامت وقفت على رجليها ببطء، وقربت من مروة، ولأول مرة في حياتها، أخدت مرات ابنها وفضلت تبكي وتقول سامحيني يا بنتي.. صوني بيتك وصوني إخوات محمود، وأنا من بكرة هكون تحت رجليكي.
الشمس بدأت تشقشق وتعلن عن يوم جديد، محمود ومروة كانوا واقفين في البلكونة بيبصوا على الشارع.. عارفين إن الرحلة للقاهرة الصبح مش هتبقى مجرد إمضاء ورق.. دي بداية حرب تكسير عظام مع حيتان مابترحمش.
القطر صوته صفر في المحطة، ومروة شنطتها في إيدها، ومحمود جنبها كتفه في كتفها..
وصلوا قدام برج الشركة الكبير في وسط البلد الساعة ٩ الصبح، طلعوا الأدوار العالية ودخلوا مكتب شريف..
شريف كان قاعد وراه مكتبه الفخم، وحاطط العقد والقلم، وبص لهم بانتصار وقال كنت عارف إنكم بتفهموا في الأصول.. اتفضلي يا مدام مروة، امضي.
مروة قربت من المكتب، مسكت القلم، وقبل ما تحط السن على الورقة، باب المكتب اتفتح بعنف، ودخل تلات رجالة هيبتهم تملأ المكان، ولابسين بدلات رسمية، وواحد منهم بص لشريف وقال بنبرة هزت حيطان المكتب أستاذ شريف.. أنت مقبوض عليك بتهمة التواطؤ وتسهيل الاستيلاء على أموال المجموعة بالاشتراك مع أطراف أجنبية.. وبناءً على البلاغ المقدم من الأستاذة مروة!
شريف وقف وشه بقى زي الجدار، وبص لمروة بذهول ورعب.. ومروة سابت القلم من إيدها، وبصت له بكل ثقة وقالت قلت لك يا شريف.. اللعبة من النهاردة.. مروة هي اللي هتديرها!
وفي اللحظة دي، تليفون محمود رن تاني من دبي.. وظهرت رسالة على الشاشة قلبت كل التوقعات من جديد
الجزء العاشر وقبل الأخير
وقع الخبر على شريف كأنه قنبلة، وشه جاب ألوان وفقد النطق وهو شايف رجال الرقابة الإدارية والشؤون القانونية للمجموعة بيطوقوا المكتب. بص لمروة بعينين مليانة غل وذهول وقال بصوت متحشرج أنتِ؟ أنتِ اللي بلغتي عني؟ إزاي وفين؟ ده أنا ماسك كل الخيوط في إيدي وأخو جوزك تحت ضرسنا في دبي!
مروة رجعت لورا خطوة، وعدلت جاكت بدلتها الشيك بكل ثقة وبرود، والابتسامة رجعت تنور وشها من تاني وقالت فاكرني مغفلة يا شريف؟ فاكر لما تخليني أوقع إلكتروني بال IP بتاعي على صفقات مشبوهة وتقول لي دي أوامر الإدارة الإقليمية إني مش هأمن نفسي؟ أنا من سنة كاملة، من يوم ما أحمد أخو محمود بدأ يلمح لي إنه واقع في ضيقة، وأنا عارفة إن فيه عين من جوة الشركة بتوجّهه وبتسهل له الطريق عشان يقع، ولما وقع، جيت أنت عشان تلبسني أنا وهو القضية وتداري على الحيتان الكبيرة.. أنا باعتة ملفات الأكواد والتحويلات السرية كلها لفرع الشركة الرئيسي في نيويورك من تلات أيام.. والرد جه النهاردة الصبح بالقبض عليك وفصلك!
الظابط شاور لرجاله، وأخدوا شريف مكلبش وسط نظرات الذهول من كل الموظفين في الشركة اللي كانوا واقفين يتفرجوا على سقوط الحوت الكبير اللي كان بيمشي بكلمته على الكل.
محمود كان واقف ورا مروة، بيبص لها بفخر ملوش أول من آخر، حس إن مراته دي بمليون راجل، وإنها بذكائها وسكوتها السنين اللي فاتت كانت بتقرأ الملعب كله من بعيد لبعيد. قرب منها ومسك إيدها وقال يا بنت الايه يا مروة! كل ده ومخبية عليا؟ كنتِ سايباني أموت في جلدي وخايف عليكي؟
مروة بصت لمحمود وعينيها لمعت بالدموع كان لازم أسكت يا محمود.. لو كنت قلت لك، كنت هتتصرف بعاطفتك وتتصل بأخوك
وأمك وتخرب الطبخة قبل ما تستوي. كان لازم الكل يصدق إني مكسورة عشان شريف يطمن ويجيب آخره.
وفي وسط الفرحة دي والانتصار، رن تليفون محمود بنغمة الرسائل. محمود افتكر الرسالة اللي جت له من دبي أول ما دخلوا المكتب. فتح الشاشة وهو بيوجّه الموبايل لمروة عشان يقرأوا مع بعض.. والرسالة كانت صدمة جديدة قلبت الفرحة لخوف من تاني.
الرسالة كانت مبعوتة من رقم أحمد، ومكتوب فيها بالعامية الإماراتية
الأستاذ محمود.. الأستاذ أحمد أخوك مش معانا في حجز الشركة، شريف كان بيمثل عليكم بالفيديو من مكتب قديم.. أحمد هرب مننا في مطار دبي أول ما حس إن اللعبة اتكشفت، وهو دلوقتي راكب طيارة وراجع مصر باسم مزور وجواز سفر تاني.. ومستلف تليفون من حد بعت لنا منه رسالة بتهديد إنه راجع ينتقم من مروة ومنكم كلكم لأنها ضيعت مستقبله برة وجوه مصر! خذوا حذركم.. أحمد مابقاش عنده حاجة يخاف عليها وهو في طريقه ليكم دلوقتي!
محمود وشه اتخطف ومسك دراع مروة بقوة أحمد هربان وراجع مصر؟ وراجع ينتقم؟
مروة حست بنغزة في قلبها، مكنتش خايفة من أحمد، بس خايفة من الغدر.. واحد ضاع مستقبله واتكشف حقيقته قدام أهله وبقى مطارد من الإنتربول، ممكن يعمل أي حاجة من غير ما يفكر.
المحامي بتاع مروة قال بسرعة يا أستاذ محمود، لازم نتحرك فوراً على أسيوط.. الحاجة فاطمة والعيال هناك بطولهم، وأحمد لو وصل هناك قبلنا وهو في الحالة دي، ممكن يعمل مصيبة في البيت!
ركب محمود ومروة العربية، وطاروا بيها على طريق الصعيد. الطريق كان طويل جداً ومحمود كان بيدوس على البنزين بأقصى سرعة عنده، وعينه مابتفارقش الطريق، ومروة عمالة تتصل على الحاجة فاطمة في البيت، لكن الخط كان دايماً بيدّي جاري الاتصال ومحدش بيرد!
ردي يا حاجة فاطمة.. أرجوكي ردي! مروة كانت بتفرك في إيدها بتوتر، والخوف على العيال وعلى الحما اللي لسه مصالحاها بدأ يأكل في قلبها.
وصلوا على مشارف أسيوط والليل كان بدأ يدخل، والشوارع كانت هادية. أول ما العربية دخلت الشارع بتاعهم، محمود لقى لمت ناس غريبة قدام البيت.. الجيران كلهم واقفين، وصوت صريخ طالع من شقة الدور الأرضي!
محمود فرمل العربية بعنف، ونزل هو ومروة بيجروا وسط الناس. محمود زق جاره أبو أحمد وصاح فيه في إيه يا أبو أحمد؟ عيالي وأمي مالهم؟
أبو أحمد بص لمحمود بوش أصفر وعينين مليانة رعب وقال الحق يا محمود.. أخوك أحمد جه من ساعة، وكان داخل زي المجنون، وشايل في إيده سلاح.. وقفل باب الشقة على أمه وعلى عيالك وسامعين صوت ضرب وتكسير جوة ومحدش قادر يدخل!
مروة صرخت بأعلى صوتها وجريت على الباب الحديد بتاع البيت وفضلت تخبط بكل قوتها أحمد! افتح الباب يا أحمد! ولادي ملهمش ذنب! أنا اللي عملت كل حاجة.. افتح لي أنا!
ومن وراء الباب الخشب السميك بتاع الشقة، طلع صوت أحمد.. بس مكنش صوت أحمد الأخ الطيب الهادي.. كان صوت وحش كاسر، صوته مليان غل وضياع وهو بيصرخ
مش هفتح يا مروة! أنتِ ضيعتيني وفضحتيني وخليتي أمي تبيع البيت لمحمود وتكتب له كل حاجة وتسبني في الغربة ماليش تمن! لو حد قرب من الباب ده، هخلص على العيال وعلى أمي وعلى نفسي.. والبيت ده هيهد فوق دماغ الكل النهاردة!
الحاجة فاطمة كانت بتصرخ من جوة يا محمود! الحقني يا ابني! أخوك اتجنن وعايز يقتلنا ويقتل العيال!
محمود رجع لورا خطوتين، وعينيه جت في عين مروة.. نظرة الفراق الأخير.. محمود أخد نفس طويل، وبص لجيرانه وقال ساعدوني نكسر الباب! وفضل يضرب بكتفه في الباب الحديد بكل قوته وهو سامع صوت تكتكة غريبة جوة الشقة.. مكنتش تكتكة الساعة القديمة.. دي كانت تكتكة سلاح بيتحضر للضرب!
وفي اللحظة اللي الباب بدأ يتخلع فيها من مكانه.. طلعت صرخة من جوة الشقة هزت المنطقة كلها، تلاها صوت ضرب نار قوي..
الجزء العاشر والأخير
مع دوي الرصاصة اللي هزت حيطان البيت وقلوب كل اللي واقفين في الشارع، الزمن وقف تماماً. مروة صرخت صرخة شرخت سما أسيوط وهي بترمى بكل عزمها على الباب، ومحمود، بقوة ميعرفش طلعتله
منين، ضرب الباب الحديد بكتفه ورجليه لحد ما المفصلات اتخلعت واتهد الباب ووقع على الأرض وعمل رزع زلزل المكان.
دخل محمود ومروة يجيروا وسط الغبار والدخان، وعينيهم بتدور على العيال وعلى الحاجة فاطمة. الأوضة الجوانية كانت مقلوبة، النور مطفي، وفي الركن كانت الحاجة فاطمة حاضنة العيال بجسمها ومخبياهم ورا الكنبة، والعيال كاتمين صرختهم في حجرها وهما بيترعشوا. محمود جري عليهم ولقاهم بخير ومفيش فيهم خدش، لكن الرصاصة كانت رايحة في مكان تاني خالص.
في نص الصالة، كان أحمد واقع على الأرض، السلاح مرمي بعيد عن إيده، والدم غرقان عبايته من كتفه. أحمد مكنش قاصد يقتل أمه ولا العيال، هو كان داخل في حالة جنح وضياع، ولما سمع صوت كسر الباب، إيده اترعشت والطلقة طلعت منه غلط وجت في كتفه وسقط من طوله وهو بيبكي بنشيج مرير زي الأطفال.
مروة أول ما شافت المشهد، مقفتش تتفرج ولا تشمت. طلعت جري على المطبخ جابت قماشة نظيفة وجريت على أحمد، قعدت في الأرض وضغطت على جرحه بكل قوتها عشان توقف النزيف، وبصت لمحمود وقالت بزعاق اطلب الإسعاف بسرعة يا محمود! أخوك هينزف!
أحمد رفع عينيه الذبلانة والمكسورة لمروة، وشافها وهي بتنقذ حياته بعد كل اللي عمله فيها، فضل يعيط ويقول بصوت مخنوق سامحيني يا مروة.. أنا ضعت، وضيعتكم معايا.. الغل أعمى عيني لما حسيت إن كل حاجة راحت مني.
الجيران دخلوا وشالوا أحمد مع محمود وأخدته الإسعاف على المستشفى تحت حراسة الشرطة، عشان ينال جزاءه القانوني عن الاختلاس والدخول بجواز سفر مزور، بس المرة دي الجرح اللي في جسمه هيموت الغل اللي كان في قلبه.
مرت سنة كاملة على الليلة دي.. سنة غيرت نفوس وتبدلت فيها أحوال.
البيت في أسيوط رجع له الهدوء تاني، بس مكنش هدوء الخوف والمكائد، كان هدوء الرضا والأصول. الشقة الفوقانية اتفتحت ونورها قاد من تاني، ومروة رجعت لمنصبها الإقليمي في الشركة الإنترناشونال بعد ما الإدارة الرئيسية في نيويورك كرمتها على أمانتها وشجاعتها في كشف الفساد.
محمود سدد قروض البنك وفك رهن البيت من عرق شقاه في المعمل، وبمساعدة مروة اللي رجعت تشيل معاه كتف بكتف بس بالرضا والحب، مش بلوي الدراع والشروط.
وفي العصر الفاخر من يوم جمعة، كانت الصالة منورة بنور الشمس الدافي. الحاجة فاطمة كانت قاعدة على الكنبة الكبيرة، بتسبح بهدوء ووشها منور، ومروة قاعدة جنبها بتشرب معاها الشاي وبيتضحكوا. مروة مالت على حماتها الحما وبست راسها وقالت لها جاهزة يا حاجة فاطمة؟ الشنط قفلتها، وتأشيرة العمرة طلعت، وطيارتنا الفجر إن شاء
الله.. أنا ومحمود وإنتِ علطول على الحرم.
الحاجة فاطمة دموعها نزلت على خدها وأخدت مروة وقالت بصوت كله خشوع ربنا يبارك لي فيكِ يا بنتي ويصونك.. أنا مكانش ليا حق أتدخل في قرشك ولا في بيتك، وإنتِ صنتي عرضنا وشيلتي ولادي في وقت الشدة. ربنا يكتبلك بكل مليم دفعتيه قصر في الجنة.
محمود دخل عليهم الصالة وشاف اللقطة دي، ابتسم وراحت من ودنه تكتكة الساعة القديمة وحل محلها صوت ضحكات عياله اللي بيلعبوا في البلكونة. قرب من مراته وبص في عينيها وقال بنبرة كلها حب واحترام تسلم إيدك يا ست مروة.. صنتي الأصول، فصُنتي البيت.
الحكمة من القصة
البيوت مابتتبنيش بالفلوس، البيوت بتبني بالستر والرضا والأصول.
الحكمة الأولى للأزواج أسرار بيتك خط أحمر، والراجل اللي يسيب ودنه لكلام برة حتى لو من أقرب الناس ليه بيهد سقف بيته بيده. الستر بين الزوجين هو الحصن اللي بيحمي العيلة من غدر الزمان.
الحكمة الثانية للحموات والأهل مال الزوجة وشقاها هو حقها الخاص شرعاً وقانوناً، التدخل فيه بنية الفرض أو الغيرة بيولد الغل ويخرب العمار. الكبيرة في البيت هي اللي تلم وتستر، مش اللي تسخن وتفرق.
الحكمة الثالثة في الأصول والمعادن الست الأصيلة الذكية مبتتكسرش بالتهديد، ومبتنساش الفضل. مروة لما حبت تاخد حقها أخدته بالقانون والأصول، ولما لقت جوزها صانها ووقف في ضهرها، شالت عيلته كلها فوق راسها.
الفلوس بتروح وتيجي.. بس المعدن النظيف بيفضل يلمع في الضلمة.

تم نسخ الرابط