انا وجوزي بقلم روماني مكرم

لمحة نيوز

الموافقة النهائية عشان في مستند ناقص.
بدأ القلق يتحول لخوف حقيقي.
مين عنده كل البيانات دي؟
وفجأة افتكرت حاجة.
من حوالي أسبوع كنت بلمع السفرة، وشفت ملف أوراق شريف الشخصي مفتوح فوق الترابيزة.
استغربت وقتها لأن شريف بيحتفظ بكل أوراقه في درج مقفول.
ولما سألته قال إنه ما فتحوش أصلاً.
حكيت له.
فسكت شريف يفكر.
ثم قال
الدرج ده مفتاحه معايا بس.
فضلنا نبص لبعض.
كل واحد فينا بيفكر في نفس السؤال، لكن محدش عايز ينطقه.
الأيام اللي بعدها بقت متوترة.
ومحمود بقى يتصرف بغرابة.
كل شوية يسأل شريف عن مرتبه.
وعن مدخراته.
وعن خططه المستقبلية.
وحماتي كل يوم تفتح موضوع شراء شقة جديدة.
مرة تقول
الاستثمار في العقار أمان.
ومرة
الأخ سند أخوه.
ومرة
محمود محتاج حد يقف جنبه.
لحد ما جه يوم الجمعة.
اليوم اللي انكشف فيه السر كله.
بعد الغدا، كان ياسين بيلعب بالكرة في الصالة.
وفجأة جري ناحية الكنبة ومد إيده تحتها.
طلع ظرف ورق كبير.
وقال ببراءة
ماما، ده وقع من تيتة.
أخدت الظرف من غير اهتمام في البداية.
لكن أول ما فتحته...
حسيت الدم انسحب من وشي.
جواه كانت صور ضوئية من بطاقة شريف.
ومفردات مرتبه.
وصور من أوراقه البنكية الخاصة.
كلها مستندات المفروض تكون جوه الدرج المقفول.
رفعت عيني ببطء ناحية حماتي ومحمود.
وفي اللحظة دي...
اتغيرت ملامحهم بالكامل.
يتبع...تابع...
عدى أول يوم، والتاني، والتالت...
ومن أول أسبوع بدأت أحس إن وجود حماتي ومحمود مش مجرد إقامة مؤقتة زي ما اتقال.
كل يوم شنطة جديدة بتظهر.
كل يوم هدوم أكتر بتتعلق في الدولاب.
وكل يوم حماتي تتكلم وكأن البيت بقى بيتها هي.
لدرجة إنها في صباح أحد الأيام دخلت المطبخ وقالت
رنا، هنغير ترتيب الشقة. الصالون هيتنقل الناحية التانية، وأوضة الطفل واسعة، محمود أولى بيها.
وقفت مصدومة.
أوضة ياسين؟!
أيوة، هو لسه صغير، ينام جنبكم.
في اللحظة دي دخل شريف بالصدفة وسمع آخر جملة.
سأل
مين ينام
جنبنا؟
حماتي ردت بثقة
ياسين.
شريف حط مفاتيحه على الترابيزة وقال بحزم
مستحيل.
سكتت حماتي لحظة، لكن من نظرتها عرفت إنها مش ناوية تتراجع.
ومن اليوم ده بدأت حرب باردة جوه البيت.
كل حاجة بقت عليها ملاحظات.
الأكل.
طريقة التربية.
مواعيد النوم.
حتى لبسي وأنا خارجة أجيب طلبات البيت.
وفي كل مرة كنت بسكت عشان خاطر شريف.
لكن اللي حصل بعد أسبوعين هو اللي خلاني أفهم إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد إقامة مؤقتة.
في ليلة متأخرة، كنت رايحة المطبخ أشرب مية.
ولقيت نور الصالة مفتوح.
صوت حماتي ومحمود كانوا بيتكلموا بصوت واطي.
مكنتش أقصد أسمع.
لكن جملة واحدة خلت رجلي تتجمد في مكاني.
حماتي قالت
اصبر بس شوية... لما شريف يقتنع يشتري الشقة الجديدة ونخليه يكتبها باسم أخوك، كل حاجة هتبقى اتحلت.
اتسعت عيني من الصدمة.
إيه الشقة الجديدة؟
وإيه يكتبها باسم محمود؟
وليه أصلاً؟
سمعت محمود يقول بقلق
بس شريف عمره ما هيوافق.
ردت حماتي بثقة غريبة
هوافقه أنا... هو طول عمره بيسمع كلامي.
رجعت أوضتي وأنا قلبي بيدق بعنف.
فضلت طول الليل صاحية.
مش عارفة أحكي لشريف ولا أسكت.
يمكن أكون فهمت الكلام غلط.
يمكن يكون فيه تفسير تاني.
لكن الإحساس اللي جوايا كان بيقول إن في حاجة كبيرة مستخبية.
وفي الصبح...
وأثناء ما شريف بيجهز عشان ينزل شغله...
رن موبايله.
بص للشاشة فجأة واتغير لون وشه.
وقف مكانه كأنه اتصدم.
قلت بقلق
في إيه يا شريف؟
رفع عينه ناحيتي وقال
دي
رسالة من البنك...
وسكت.
ثواني.
ثم قال الجملة اللي قلبت البيت كله رأسًا على عقب
في حد مقدم طلب تمويل باسمي... وأنا معملتش أي طلب!
يتبع...تابع...
الصالة كلها سكتت.
حتى ياسين وقف يبص لنا وهو مش فاهم حاجة.
أنا ماسكة الظرف بإيدي، وشريف أول ما شاف المستندات قام واقف فجأة.
أخد الأوراق وبدأ يقلب فيها بسرعة.
ملامحه كانت بتتغير مع كل ورقة.
وبعدين رفع عينه ناحية محمود وقال
الأوراق دي عندك منين؟
محمود
ارتبك.
أنا؟ معرفش حاجة.
حماتي تدخلت بسرعة
إيه يعني؟ يمكن صور قديمة.
لكن شريف كان عارف أوراقه كويس.
قال بصوت حازم
دي متصورة من الملف اللي عندي في البيت من أسبوعين بالكتير.
العرق بدأ يظهر على جبين محمود.
ولأول مرة من يوم ما جه البيت، فقد ثقته بنفسه.
شريف قرب منه خطوة.
أنا بسألك للمرة الأخيرة... الأوراق دي خرجت منين؟
محمود بلع ريقه وقال
كنت محتاج أعرف شروط التمويل بس.
بأوراقي أنا؟
أنا مكنش قصدي حاجة وحشة.
هنا انفجرت حماتي
يا شريف! ده أخوك! هتحقق معاه كأنه مجرم؟
لكن شريف رد بهدوء أخطر من العصبية
لما حد ياخد أوراقي الشخصية من غير إذني ويستخدمها، يبقى لازم أعرف ليه.
سكتت الصالة كلها.
وبعد ضغط كبير، اعترف محمود بالحقيقة.
طلع إن واحد من زمايله في الشغل قاله إن فرصته الوحيدة يشتري شقة هي إنه يجيب حد دخله أعلى منه يقدم على التمويل.
وهو كان فاكر إن مجرد تقديم الطلب مش هيضر شريف.
لكن المشكلة الأكبر ما كانتش هنا.
المشكلة كانت في اللي حصل بعد كده.
لما شريف سأله
ومين ادالك الأوراق؟
محمود بص لأمه.
ثانية واحدة بس...
لكنها كانت كفاية.
شريف فهم.
وأنا فهمت.
وحماتي فهمت إن السر اتكشف.
نزلت عينيها للأرض لأول مرة.
وقال محمود بصوت منخفض
ماما قالت إنها هتاخد صور الأوراق وترجعها مكانها... وإنك مش هتعرف.
كانت لحظة صعبة جدًا.
مش بسبب
الفلوس.
ولا بسبب التمويل.
لكن بسبب كسر الثقة.
شريف قعد على الكرسي كأنه فجأة كبر عشر سنين.
وبص لأمه وقال
أنا عمري ما قصرت معاكي.
حماتي حاولت تدافع عن نفسها
كنت بساعد أخوك.
بالكذب؟
كنت خايفة عليه.
وأنا؟ مش ابنك برضه؟
أول مرة أشوف حماتي مش لاقية رد.
وأول مرة أشوف محمود ندمان بالشكل ده.
في الليلة دي، محدش أكل.
ومحدش اتكلم.
وفي صباح اليوم التالي...
جمع محمود هدومه بنفسه.
وجاء وقف قدام شريف.
وقال
أنا غلطت. وأنت من حقك تزعل مني.
شريف سكت لحظات.
ثم قال
أنا مسامحك كأخويا... لكن الثقة محتاجة
وقت ترجع.
بعدها محمود خرج من البيت واستأجر سكن مشترك قريب من شغله.
أما حماتي...
فطلبت ترجع البلد.
قبل ما تمشي، وقفت قدامي لأول مرة لوحدنا.
وقالت بصوت هادي
أنا ظلمتك يا رنا.
بصيت لها في هدوء.
وقالت
كنت فاكرة إنك السبب في رفض محمود يقعد هنا. لكن الحقيقة إنك كنتِ بتحافظي على بيتك.
ومدت إيدها تمسك إيدي.
سامحيني.
مر وقت طويل قبل ما الأمور ترجع لطبيعتها.
لكنها رجعت.
ببطء...
وبحذر...
وبدروس عمرها ما هتتنسي.
واتعلم شريف إن الحب مش بس مشاعر، لكنه كمان حماية للحدود والخصوصية.
واتعلم محمود إن النية الطيبة ما تبررش التصرف الغلط.
واتعلمت حماتي إن فرض الأمر الواقع ممكن يهدم بيوت بدل ما يصلحها.
أما أنا...
فكل ما أبص لياسين وهو بيلعب في أوضته، أفتكر إن الكرة الصغيرة اللي جابت الظرف من تحت الكنبة كانت السبب في كشف الحقيقة كلها.
تابع... جزء جديد من الأحداث
رغم إن محمود خرج من البيت، وحماتي رجعت البلد، إلا إن إحساسي إن الحكاية انتهت كان غلط.
مر حوالي شهر.
البيت رجع هادي.
أنا وشريف رجعنا لحياتنا الطبيعية، وياسين رجع يملأ البيت ضحك وصوت.
وفي ليلة، بينما كنت برتب الدولاب، لقيت شريف قاعد على طرف السرير وساكت.
سألته
مالك؟
بصلي وقال
محمود
كلمني النهارده.
خير؟
صوته كان مرعوب.
قلبي انقبض.
ليه؟
قال إنه محتاج يشوفني ضروري، ومش عايز يتكلم في التليفون.
تاني يوم شريف قابله.
ورجع البيت متأخر.
أول ما دخل عرفت من وشه إن فيه مصيبة جديدة.
قعد قدامي وقال
فاكرة موضوع
التمويل؟
هززت راسي.
طلع فيه شخص نصاب كان موهم محمود إنه هيخلص له الشقة.
وبعدين؟
محمود اداله مقدم كبير.
كام؟
سكت شريف ثانية.
ثم قال
كل تحويشة خمس سنين.
شهقت من الصدمة.
المبلغ كان ضخم بالنسبة لمحمود.
والراجل ده؟
اختفى.
فضلت ساكتة.
لكن المفاجأة كانت لسه جاية.
شريف قال
وفي حاجة أخطر.
إيه؟
النصاب ده معاه صور أوراقنا كلنا.
اتجمدت في مكاني.
إزاي؟
محمود اعترف إنه
بعت له نسخ المستندات لما كان بيحاول يثبت قدرته المالية.
في اللحظة دي حسيت إن الكارثة القديمة رجعت من باب أكبر.
ومن اليوم ده بدأ القلق.
كل مكالمة مجهولة كانت تخوفنا.
كل رسالة غريبة كانت تخلينا نشك.
لحد ما جه صباح يوم الجمعة.
كنت بعمل فطار
تم نسخ الرابط