انا وجوزي بقلم روماني مكرم

لمحة نيوز

لياسين.
وفجأة الباب خبط.
فتحت.
لقيت راجل واقف ببدلة رسمية.
وقال
حضرتك الأستاذة رنا؟
أيوة.
ناولني ظرف مختوم.
وقال
دا لازم يوصل لحضرتكم شخصيًا.
وأدار ظهره ومشى.
قفلت الباب بسرعة.
وناديت على شريف.
فتحنا الظرف مع بعض.
وفي الداخل كانت ورقة واحدة فقط.
مفيهاش غير سطرين مكتوبين بخط مطبوع
لو عايزين تعرفوا مين أخد الفلوس الحقيقية ومين كان بيحرك محمود من البداية... اسألوا عن الحقيبة السوداء اللي اختفت يوم ما سابت والدتكم البيت.
رفعنا عيوننا لبعض في صدمة.
الحقيبة السوداء؟
أنا افتكرت فورًا.
كانت شنطة صغيرة كانت مع حماتي يوم وصولها.
وشفتها بعيني يوم سفرها.
لكن بعد كده...
ولا حد شافها تاني.
وشريف همس
الغريب إن الشنطة دي كانت دايمًا معاها... ومستحيل تنساها.
وفي نفس اللحظة...
رن موبايل شريف.
رقم مجهول.
رد.
وسمعنا صوت راجل يقول
لو عايز تعرف الحقيقة كلها... تعال لوحدك النهارده الساعة 8 مساءً.
ثم أغلق الخط فورًا.
وشريف وقف مكانه وهو بيبص للورقة في إيده...
وعارف إن اللي جاي ممكن يغير كل حاجة كانوا فاكرين إنهم عرفوها.
يتبع...تابع...
من ساعة المكالمة لحد ما الساعة قربت على 8 بالليل، التوتر كان مالي البيت.
كنت بحاول أقنع شريف ما يروحش لوحده.
ممكن يكون فخ.
قال وهو بيلبس جاكيته
وممكن يكون الشخص الوحيد اللي يعرف الحقيقة.
طب خليك
مع حد.
هخلي صاحبي كريم يعرف مكاني، ولو حصل أي حاجة هيبلغ الشرطة.
خرج شريف، وأنا فضلت أبص من الشباك لحد ما عربيته اختفت.
كل دقيقة كانت بتعدي كأنها ساعة.
لحد ما بعد حوالي ساعة ونص، موبايلي رن.
كان شريف.
رديت بسرعة
أنت كويس؟
صوته كان مصدوم.
رنا... الحكاية أكبر مما كنا متخيلين.
قلبي وقع.
في إيه؟
هرجع وأحكيلك.
وصل البيت بعد نص ساعة.
أول ما دخل قفل الباب وقعد قدامي.
وقال
الشخص اللي قابلته كان سمسار عقارات.
إيه علاقته بكل ده؟
قال إن حماتي جتله من حوالي 3 شهور
تسأل على شقة صغيرة لمحمود.
استغربت.
وده طبيعي.
هز رأسه.
استني... المشكلة إنها دفعت عربون.
عربون؟ منين؟
هو ده السؤال.
سكت لحظة ثم أكمل
السمسار قال إن معاها وقتها حقيبة سوداء فيها أوراق ودفاتر توفير قديمة ومبلغ كبير.
افتكرت الشنطة فورًا.
يعني الشنطة كانت فيها فلوس؟
واضح كده.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في باقي الكلام.
السمسار قال إن حماتي بعد أيام رجعت تلغي الحجز.
ولما سألها ليه قالت جملة غريبة جدًا
الفلوس دي مش بتاعتي، وأنا غلطت لما فكرت أتصرف فيها.
فضلنا ساكتين.
كل حاجة بدأت تبان بشكل مختلف.
يمكن حماتي فعلاً غلطت لما أخدت الأوراق.
لكن يبدو إنها تراجعت عن خطوة أكبر كانت هتعملها.
وفي اليوم التالي، شريف قرر يروح البلد ويقابل أمه مباشرة.
رجع بعد ساعات طويلة.
وأول ما دخل عرفت إنه كان بيعيط.
لأن عينيه كانوا حمرا.
قعد وقال
عرفت الحقيقة.
سألته بلهفة
إيه هي؟
أخذ نفسًا عميقًا وقال
قبل وفاة أبويا بسنة، كان فاتح دفتر توفير قديم باسم أمي، وحاطط فيه مبلغ كبير محدش يعرف عنه حاجة.
ليه؟
عشان لو حصل له أي ظرف.
اتضح أن حماتي بعد ما شافت ظروف محمود الصعبة، فكرت تستخدم جزء من الفلوس دي وتشتري له شقة.
لكنها كانت محتارة لأنها عارفة إن الفلوس دي أمانة تخص العيلة كلها.
ومن هنا بدأت سلسلة الأخطاء.
محاولة توفير شقة لمحمود.
الاستعانة بأوراق شريف.
الضغط للإقامة في البيت.
وكل قرار غلط كان بيجر قرار أغلط منه.
لكن في النهاية، لما حسّت إن الأمور خرجت عن السيطرة، ألغت كل حاجة
وخبت الحقيبة.
شريف سألها وقتها
الحقيبة فين؟
قالت
في مكان آمن... وهتتفتح يوم ما نجتمع كلنا ونقسم الأمانة بالعدل.
لأول مرة من شهور، بدأ الغضب يهدأ.
لكن قبل ما نقفل الملف نهائيًا...
جاء اتصال من محمود.
وكان صوته مليان فرحة.
لقيت شقة إيجار مناسبة جنب الشغل.
ابتسم شريف لأول مرة.
وقال
مبروك يا أخويا.
رد محمود
وفي حاجة
تانية... أنا بدأت أسدد ديوني بنفسي، ومش عايز حد يشيل عني مسؤوليتي تاني.
بعد المكالمة، بصيت لشريف.
وقلت
يعني أخيرًا خلصت الحكاية؟
ابتسم وقال
أتمنى.
لكن في نفس اللحظة...
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت ساعي بريد ماسك ظرفًا صغيرًا.
مكتوب عليه بخط قديم
يُسلَّم إلى رنا وشريف فقط.
ولما فتحناه...
لقينا رسالة قصيرة جدًا بخط والد شريف المتوفى.
وفي آخرها عبارة واحدة فقط
إذا وصلتكما هذه الرسالة، فابحثوا داخل الحقيبة السوداء عن المفتاح... لأنه لا يفتح حقيبة، بل يفتح شيئًا أهم بكثير.
ونظرنا أنا وشريف لبعض في ذهول...
لأننا كنا نظن أن سر الحقيبة انتهى.
لكن يبدو أن السر الحقيقي... لم يبدأ بعد.
يتبع...تابع...
فضلت ماسكة الرسالة وأنا مش مصدقة.
الخط كان فعلًا خط والد شريف، وحماتي أكدت بعد ما شريف بعتلها صورة الرسالة.
لكن السؤال اللي كان محيرنا
إيه هو المفتاح؟ وإيه الحاجة الأهم من الحقيبة نفسها؟
تاني يوم الصبح، سافرنا البلد.
أول ما دخلنا بيت العيلة، لقينا حماتي مستنيانا وكأنها كانت عارفة إننا جايين.
بصت للرسالة وسكتت شوية.
وبعدين قامت من مكانها ودخلت أوضتها.
رجعت بعد دقائق وهي شايلة الحقيبة السوداء.
نفس الحقيبة اللي كانت سبب في كل اللي حصل.
حطتها على الترابيزة وقالت
الوقت جه.
فتح شريف الحقيبة.
جواها كان فيه
دفتر التوفير القديم.
أوراق ملكية قديمة.
صور عائلية.
ظرف بني صغير مقفول.
فتحنا الظرف.
وقع منه مفتاح نحاسي صغير جدًا.
ومعاه ورقة مكتوب فيها بخط الأب
المفتاح ده أمانة. واللي هيستخدمه لازم يكون كل أولادي موجودين.
في نفس اليوم اتصل شريف بمحمود.
وجاء على طول.
ولما اجتمعوا كلهم، كملت حماتي الكلام اللي كانت مخبياه
سنين.
قالت
أبوكم قبل ما يتوفى بأشهر أخدني لمكان وقال لي ما أقولش لحد عنه إلا في الوقت المناسب.
الكل سكت.
وقال إن المفتاح ده يخص صندوق موجود في البيت القديم بتاع جدكم.
اتسعت
عيون محمود.
البيت القديم كان مقفول بقاله أكتر من عشرين سنة.
بيت مهجور على أطراف البلد.
بعد ساعتين كنا واقفين قدامه.
الباب الخشبي القديم كان مغطى بالتراب.
والشبابيك مقفولة.
دخلنا بحذر.
المكان كله ريحته ذكريات وقدَم.
بدأنا نفتش.
لحد ما حماتي وقفت قدام دولاب خشب قديم.
وقالت
هنا.
فتح شريف الدولاب.
وفي الخلف كان فيه باب حديد صغير مخفي.
المفتاح دخل فيه بالضبط.
ودار بسهولة.
كلنا حبسنا أنفاسنا.
الباب اتفتح ببطء...
لكن المفاجأة كانت غير اللي توقعناه.
مفيش دهب.
مفيش ملايين.
مفيش كنوز.
كان فيه صندوق خشبي فقط.
فتحناه.
جواه عشرات الكراسات والدفاتر.
وشوية خطابات.
وصندوق أصغر.
محمود قال باستغراب
إيه ده؟
شريف فتح أول دفتر.
وبدأ يقرأ.
وفجأة دموعه نزلت.
لأن الدفتر كان عبارة عن مذكرات يومية كتبها والده على مدار سنين طويلة.
ذكريات طفولتهم.
تعبه في الشغل.
أحلامه ليهم.
وأسباب كل قرار أخده في حياته.
أما الصندوق الصغير...
فكان جواه أربع ساعات يد قديمة.
واحدة باسم شريف.
واحدة باسم محمود.
واحدة باسم أختهم.
وواحدة باسم حماتي.
ومع كل ساعة رسالة خاصة.
جلسوا ساعات يقرأوا الرسائل.
ويعيطوا.
ويضحكوا.
ويفتكروا أيام زمان.
وفي رسالة شريف كتب الأب
لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنت بقيت راجل ومسؤول عن بيتك. أوعى تسمح لأي حد، حتى لو كان بيحبك، يفرق بينك وبين زوجتك أو بينك وبين أخوك. العدل أصعب من الحب، لكنه
اللي بيحافظ على العيلة.
قرأها شريف أكثر من مرة.
ثم بص لي.
ومسك إيدي.
وكان واضح إنه افتكر كل اللي حصل في الشهور الأخيرة.
أما محمود فكانت رسالته عن تحمل المسؤولية وعدم الاعتماد على الآخرين.
ولأول مرة، حسينا إن السر الحقيقي ما كانش فلوس ولا ميراث.
كان رسالة متأخرة من أب حاول يحمي عيلته حتى بعد رحيله.
خرجنا من البيت القديم قبل الغروب.
والشمس كانت بتنور التراب الذهبي
حوالينا.
وبينما كنا راجعين.
..
ابتسمت حماتي وقالت
أبوكم كان أذكى مما كنت أتصور.
سألها محمود
ليه؟
فردت
لأنه خبّى أهم ميراث في مكان محدش كان هيفكر يدور فيه... جوه قلوبكم.
وهكذا انتهت رحلة الحقيبة السوداء...
لكن المرة دي فعلًا كانت النهاية السعيدة الحقيقية.

تم نسخ الرابط