عملتي الي في دماغك واتطلقتي
عملتي اللي في دماغك واتطلقتي... مبسوطة لما قعدتي في قرابيزي؟!ده الكلام اللي كنت بسم بدن بنتي بيه بعد طلاقها، في الرايحة والجاية. مكنتش بفوت فرصة إلا وألطشها بكلمتين زي السم، وعمرها ما نطقت، ولا دافعت عن نفسها، ولا بررت، لحد ما عرفت السبب الحقيقي ورا طلاقها.. ويومها، راح صوتي من الصدمة، وندمت على كل حرف قولته !!!!!
أنا ماليش في الدنيا دي غير ندى، بنتي الوحيدة، حتة من قلبي. أبوها الله يرحمه اتوفى وسابها لي وهي لسه عيلة صغيرة، وكان دايماً يوصيني عليها ويقولي ندى دي أمانتي عندك يا فوزية، أوعي تكسري بخاطرها في يوم. شيلت الأمانة وربيت وكبرت، وكنت بدعي ربنا ليل نهار يرزقها بابن الحلال اللي يعوضها عن يتمها ويصونها.
ولما جه شريف يتقدم، قولت خلاص، أبواب السما كانت مفتوحة ودعوتي استجابت. الراجل كان لقطة بمقاييس كل الناس؛ مهندس محترم، ابن ناس، وكل اللي يتعامل معاه يحلف بأخلاقه وأدبه وإنه إنسان سوي وميعرفش اللف والدوران. يوم شبكتها، ندى كانت طايرة من السعادة، الفرحة مش سيعاها، وعينيا كانت بتدمع وأنا شايفاها أخيراً لقت السند. اتجوزوا وعاشوا سنة كاملة في هدوء، وولدت ابنها يوسف وبقت دنيتها كاملة.
لحد ما جت الليلة الملعونة اللي قلبت حياتنا كانت الساعة حوالي تلاتة بعد نص الليل، الدنيا هوس وهس، وفجأة لقيت الباب بيخبط خبط مرعوب. فتحت وأنا قلبي مقبوض، لقيتها ندى!
واقفة على الباب في عز البرد، مش معاها أي حاجة، لا شنطة هدوم ولا حتى بطاقتها.. شايلة ابنها يوسف على كتفها وبس. الصدمة مكنتش في جيتها نص الليل، الصدمة كانت في وشها؛ مكنتش بتبكي، مكنتش بتصرخ، كانت ساكتة سكوت يخوف، عنيها مبرقة ومثبتة في الفراغ سألتها في
ردت بكلمة واحدة زي الطلقة عايزة أطلق يا أمي.
من ليلتها، دخلنا في دوامة ميعلم بيها إلا ربنا. حاورناها وسايرناها شهور، أنا وأعمامها وخالاتها، وهي مفيش على لسانها غير مش هرجعله. شريف جوزها كان بييجي البيت عندنا، يقعد مكسور الخاطر، يتكلم بمنتهى الأدب والخلق اللي متعودين عليه، وكان باين عليه زيي بالظبط.. مش فاهم! كان بيحلف إنه معملش حاجة، ومزعلهاش، وفضل متمسك بيها وببيته وبيحاول بكل الطرق يرضيها ويفهم في إيه، وهي زي الصنم، لا بتتكلم ولا بتقول سبب واحد يخليها تخرب بيتها بإيدها.
لحد ما جه اليوم الحاسم. شريف جاب أعمامه كبار عيلته وجامعهم في صالون بيتنا عشان يحطوا حد للموضوع. وأنا قاعدة معاهم وبنحاول نهدي النفوس، لقيت ندى خارجة من أوضتها، وشها شاحب وعنيها فيها غضب مجهول، وقفت قدام شريف وقدام أهله كلهم وقالتله بنبرة حادة وصوت عالي هز الحيطة
بقولك إيه.. خلي عندك دم بقى! أنا مش عايزاك، وبكرهك، ومش هقعد معاك في بيت واحد لو تموت!
الصالون كله سكت. شريف اتسمر في مكانه، وشه جاب ميت لون من الإحراج والكسرة قدام أعمامه. قام وقف، وبص لها بقلة حيلة وقالها يعلم ربي مكنتش عايز غيرك. من الدنيا يا ندى بس مادام وصلتيها للاهانة قدام أهلي.. يبقى كرامتي فوق كل شيء. إنتي طالق يا ندى. ومشيوا.. طلقها وهو برضه مش عارف السبب، وأهله خرجوا يلوموا فينا وفي تربيتنا.
من وقتها، الشيطان ركبني. بقيت ناقمة عليها وبكره تصرفها. بقيت أشوفها خربت بيتها بجهلها ودلعها، ونزلت راسي في الأرض قدام الناس بعد ما كنت بتباهى بجوازتها. اتحولت من أم حنينة لجلاد.
كنت بقولها في الرايحة والجاية كلام يوجع القلب
واحده مفيش منها فايده اديكي قعدتي زي البيت الوقف افرحي بقى يا خايبه
شيلتها كل شغل البيت، كنت بسيبها تغسل وتمسح وتطبخ لحد ما ضهرها يتكسر، وهي تعمل كل ده وهي ساكتة، مبتنطقش، دموعها بس اللي بتنزل في صمت وهي باصة في الأرض، وده كان بيغيظني أكتر ويخليني أزيد في قسوتي.
لحد ما جه اليوم ده..
كنت ماشية في الصالة وسمعت صوت بكا مكتوم، نشيج طالع من قلب مقهور ومجروح جرح بيموت. الصوت كان جاي من أوضتها. قربت بالراحة، وفتحت الباب بشويش من غير ما تاخد بالها. كانت قاعدة في الأرض، ضهرها للباب، وساندة راسها على السرير، وبتعيط بحرقة عمري ما سمعتها منها قبل كده، وكأنها كانت كاتمة جبل جوه صدرها وانفجر.
بصيت على إيديها اللي كانت لافاهم حوالين حاجة ومتبتة فيهم كأنها بتمسك في طوق نجاة،
في اللحظة دي، الزمن وقف. عيني برقت من الصدمه، . و اللي شوفته في إيدها خلاني أحس إن الأرض بتتهز بيا وعرفت هيه ليه اتطلقت وليه كانت ساكته !!!!!!
زهرة_الربيع
وقفت مكانّي عند الباب، إيدي اتجمدت على المقبض، وقلبي بيدق بطريقة عمري ما حسّيت بيها.
بصيت تاني وركزت.
اللي في إيدها مكنش مجرد حاجة صغيرة زي ما كنت فاكرة دي كانت حاجة تقيلة على صدر أي أم.
كانت ماسكة كارت طبي قديم متبهدل، وفيه اسم مكتوب بخط واضح اسم شريف.
بس مش الاسم اللي شدني.
اللي شدني إن تحته مباشرة كان مكتوب بخط طبيب حالة متابعة نفسية اضطراب ما بعد الصدمة
رجعت خطوة لورا غصب عني.
ندى رفعت راسها ببطء كأنها حاسة بوجودي من غير ما تشوفني.
وقالت بصوت مبحوح عارفة دلوقتي أنا سكت ليه؟
قلبي وقع.
ما ردّتش
كملت وهي بتضحك ضحكة قصيرة موجوعة كل مرة كنتي بتقوليلِّي إني دلعانة كنتي بتكبّري الكدبة جواكي أكتر.
سكتت ثانية، وبصّت للكارت كأنها بتكلم حد مش موجود هو مش وحش بس كان بيتحول لحد تاني وبيخليني أخاف منه ومن نفسي.
الدنيا بدأت تلف بيا.
قربت منها خطوة وأنا مش قادرة أستوعب يعني إيه بيتحول لحد تاني؟! يعني إيه يا ندى؟
سكتت.
وبعدين قالت الجملة اللي كسرتني
يعني اللي كنتي شايفاه زوج مثالي كان بيقفل عليّا الباب بالساعات ويخليني أنسى اسمي.
رجلي ما شالتنيش.
وفي اللحظة دي يوسف ابنها تحرك في حضنها وبكى.
بس مش البكاء اللي شدني.
اللي شدني إن ندى حضنته جامد وقالت وهي بتبص لي لأول مرة بعين مليانة وجع أنا ما سبتوش عشان بكرهه أنا سبت البيت عشان أنقذه من نفسه.
وسكتت.
لكن فجأة
صوت خبط جامد على باب الشقة قطع اللحظة كلها.
خبط مش طبيعي خبط أعرفه من غير ما أشوفه.
ندى اتجمدت.
وهمست بصوت مرعوب لأول مرة هو رجع
والباب اتخبط تاني أقوى.
وانتهى كل شيء عند اللحظة دي قبل ما الحقيقة تكمل شكلها الكامل الباب اتفتح ببطء ببطء مخيف كأنه بيتعمد يطوّل اللحظة.
صوت المفصلة كان بيصرخ في الصمت، وكل ثانية كانت بتعدي كانت بتسحب النفس من الأوضة.
ندى وقفت قدامي، جسمها كله متصلّب، ووشها أبيض كأن الدم اتسحب منه.
أنا بصيت ناحية الباب وقلبي كان هيقف.
شريف دخل.
لكن مش هو.
أو على الأقل مش اللي كنت أعرفه.
هدومه مرتبة، عينه هادية زيادة عن اللزوم، وابتسامة صغيرة مرسومة على وشه، لكنها ابتسامة مفيهاش حياة.
وقف على العتبة، وبص حوالين الشقة كأنه بيتأكد إن كل حاجة في مكانها.
قولتلك هلاقيكي هنا يا ندى.
صوته كان واطي أهدى من اللازم.
ندى صرخت
بس هو ما اتحركش.
بص ليوسف وبعدين قال بهدوء ابني