بكاء اب

لمحة نيوز

بكاء اب 
زعيم المافيا بكى عند قبر بنته من غير ما يعرف إنها عايشة وبتراقبه من ورا شجرة
كان سليم الكارم أكتر راجل الناس بتخاف منه في القاهرة راكع على ركبته تحت المطر وبيعيط قدام قبر بنته
المدينة كلها كانت تعرفه إنه راجل عمره ما بينكسر
أعداؤه كانوا يهمسوا باسمه قبل ما يموتوا ورجالته كانوا يوطوا عينيهم أول ما يدخل أي مكان كان بنا إمبراطورية الكارم بالدم والولاء والصمت والخوف
بس ولا حاجة من دي كان ليها معنى في المقابر
مش وهو إيده بتترعش فوق شاهد قبر بارد مكتوب عليه اسم بنته اللي عندها حداشر سنة
ومش وهو ماسك السلسلة الدهب الصغيرة اللي كان جابهالها في آخر عيد ميلاد ليها وبتتهز بين صوابعه
ومش وهو فاكر إن بنته مدفونة تحت التراب وهي في الحقيقة عايشة وضعيفة ومرعوبة وبتبصله من ورا شجرة كبيرة على بعد كام متر منه
المقابر كانت غرقانة في المطر والسكوت رجالة سليم كانوا واقفين بعيد جنب العربيات السودة سايبين لرئيسهم خصوصيته اللي محدش يجرؤ يقاطعها كانوا شافوه غضبان وشافوه قاسي وشافوه بيدي أوامر بتغير مصير عائلات كاملة
بس عمرهم ما شافوه بالشكل ده
مكسور
يا روح بابا همس وهو بيمرر صوابعه على الاسم المحفور أعيش إزاي وانتي مش موجودة؟
الكلام قطع مليكة من جواها زي السكينة
سندت إيديها الاتنين على جذع الشجرة الخشن وصوابعه الصغيرة غرست فيه وجسمها كله كان بيترعش لدرجة إنها خافت الورق اللي فوقها يتحرك كانت هربانة من المكان اللي كانوا حابسينها فيه وجت لهنا عشان كانت محتاجة تشوفه محتاجة تعرف إذا كان لسه عايش محتاجة تعرف إذا كان نسيها
بس هو ما نسيهاش
سليم وطى راسه على القبر وعيط زي راجل روحه اتنزعت من صدره
أدي كل حاجة قال وصوته بيتكسر إمبراطوريتي

وسلطتي
وعمري كله بس أمسكك مرة واحدة كمان
مليكة كانت هتجري عليه
كل حاجة جواها كانت عايزاها تطلع من ورا الشجرة وتصرخ بابا أنا عايشة
بس الخوف ثبتها مكانها
لأن الناس اللي خطفوها لو عرفوا إنها هربت ممكن يأذوه هو كمان
لمدة شهرين سليم الكارم كان فاكر إن بنته ماتت
مليكة كانت رايحة تقضي الويك إند مع مرات أبوها ڤيڤيان في شاليه في الساحل الشمالي مكان حوالينه هدوء وبعيد كفاية عن القاهرة يخلي أي حد يحس بالأمان ڤيڤيان كانت دايمًا بتعامل مليكة بابتسامات هادية وكلام ناعم وكانت بتلعب دور مرات الأب المثالية بإتقان
وبعدين حصل حريق ضخم في المنطقة وقت ما ڤيڤيان كانت المفروض في القاهرة بتخلص شغل
الشاليه اتحرق
المطافي لقوا رماد وحاجات مليكة وسط الخراب
سليم ما شكش في حاجة الحزن بلعه كله دفن بنته وبدأ يموت بالبطيء وهو لسه بيتنفس
ڤيڤيان فضلت قريبة منه بعد الجنازة وغرقته في اهتمام شبه اهتمام الأم وكانت طول الوقت بتلوم نفسها إنها ما كانتش موجودة كريم أخو سليم الصغير والذراع اليمين بتاعه وقف جنبه كل يوم
أنا ههتم بالشغل كان كريم يقوله إنت بس حاول توقف على رجليك أنا معاك يا أخويا
وسليم صدقهم
صدق مراته
وصدق أخوه
ومن ورا شجرة المقابر مليكة كانت بتشوف التمن المرعب للثقة دي
سليم قام بالعافية وهو ضامم السلسلة على صدره كأنها إيدها المطر كان مغرق البالطو الأسود بتاعه وشه كان باين عليه التعب وكأنه كبر عشر سنين في شهرين بس الحزن كان بينحت فيه يوم بعد يوم
مليكة عضت شفايفها لحد ما حست بطعم الدم
اجري له
لا
قوليله
لا
لو شافوكي هيموت هو كمان
فعشان كده فضلت مستخبية وهي بتعيط بصمت وسليم بيلف ويمشي ناحية العربيات
ولما اختفى ورا بوابة المقابر
اتحركت
وجريت
جريت في
شوارع القاهرة البردانة زي طفلة حد بيطاردها رجلها بتخبط في الأسفلت ونفسها بيتقطع وقلبها لسه محبوس في صورة أبوها وهو راكع قدام قبرها المزيف عمرها ما شافته بيعيط قبل كده ولا مرة في حداشر سنة
سليم الكارم كان حصنها
وشوفته مكسور كانت أسوأ من القبو
أسوأ من الضلمة
أسوأ من الجوع
بعد حوالي ساعة وصلت مليكة للبيت المهجور في شبرا اللي كانوا حابسينها فيه دخلت من شباك صغير ورا البيت ونزلت تاني للبدروم الضلمة قبل ما حد ياخد باله إنها خرجت
المكان كانت ريحته رطوبة وعفن وخوف قديم
مليكة قعدت على الأرض الباردة وهي بتحاول تاخد نفسها صدرها كان بيطلع وينزل بسرعة ورجليها واجعاها من الجري بس أكتر حاجة كانت وجعاها هي صورة أبوها وهو بيعيط قدام قبر فاضي
سمعت صوت باب فوق بيتفتح فاتجمدت مكانها بسرعة ومسحت دموعها بطرف الكم القديم اللي لابساه
صوت خطوات نزلت على السلم الخشب واحدة واحدة
البنت لسه تحت؟ صوت راجل خشن اتقال من فوق
أيوه رد عليه صوت تاني ما اتحركتش
مليكة ضمت نفسها أكتر في الركن المظلم وهي بتحاول ما تطلعش أي صوت
الباب الحديد اتفتح ودخل راجل ضخم بريحة سجاير وعرق رمى كيس أكل قديم على الأرض قدامها
كلي
مليكة ما اتحركتش
الراجل قرب منها بعصبية سمعتي اللي قولته؟
رفعت عينيها ببطء وكان الخوف باين فيهم بس جواها نار أكبر من الخوف نفسه
عايزة أروح لبابا
الراجل ضحك بسخرية باباكي فاكر إنك تحت التراب
الكلمة خبطتها في قلبها
بس قبل ما ترد سمعوا صوت عربية وقفت برا البيت فجأة
الراجل بص لفوق بسرعة مين اللي جه دلوقتي؟
صوت باب البيت الخارجي اتفتح بعنف وبعدها صوت ضرب نار خلا مليكة تنتفض
الرجالة اللي فوق بدأوا يصرخوا
في حد اقتحم المكان
خدوا
البنت
قلب مليكة وقف
الرجل
الضخم جرى ناحيتها ومد إيده يمسكها لكن قبل ما يلمسها دوى صوت طلقة قوية وبعدها جسمه وقع على الأرض قدامها والدم انتشر حوالينه
مليكة شهقت ورجعت لورا وهي مرعوبة
وفي وسط الدخان والصريخ ظهر راجل لابس بالطو أسود طويل وماسك مسدس
سليم الكارم
عينه كانت مليانة غضب مرعب وهو بيبص حوالينه لحد ما وقعت عينه عليها
وفي اللحظة دي الزمن وقف
المسدس وقع من إيده
وشه فقد لونه
ومليكة بصتله وهي مش مصدقة
بابا؟
سليم قرب منها ببطء كأنه خايف تكون وهم ركع قدامها وإيده بتترعش وهو بيلم وشها بين كفوفه
مليكة؟
أول ما سمعت صوته انهارت في العياط 
وسليم ضمها كأنه خايف الدنيا كلها تاخدها منه تاني
كان بيبكي وهو باسس شعرها ووشها وإيديها
انتي عايشة... يا بنتي انتي عايشة
مليكة كانت بتشهق من العياط بابا أنا كنت خايفة أوي
سليم قفل عينيه بقوة وضمها أكتر
محدش هيقدر يلمسك تاني
لكن وهو شايلها ويقوم لمح حاجة خلت جسمه يتجمد
في آخر البدروم كان في كاميرا مراقبة صغيرة نورها الأحمر شغال
ووقتها بس فهم
اللي خطفوا بنته كانوا لسه بيراقبوا كل حاجة
وإن الكابوس الحقيقي لسه ما بدأش أصلا
سليم ثبت عينيه على الكاميرا والنار ولعت جواه بشكل مخيف
كان لسه شايل مليكة وهي متعلقة في رقبته وبتترعش من الخوف لكن عقله بدأ يشتغل بسرعة الوحش اللي جواه صحي تاني
كريم قالها بصوت هادي بشكل مرعب وهو ضاغط على سماعة الودن اقفلوا كل مخارج شبرا حالا محدش يطلع ولا يدخل
صوت كريم جه بسرعة إنت لقيتها؟
سليم سكت ثانيتين وهو باصص لبنته كأنه خايف تختفي من بين إيديه
لقيتها
الناحية التانية سكتت فجأة وبعدها كريم قال بصوت متوتر دي مستحيل...
سليم قاطعه بعينه مليانة شك لأول مرة هات ڤيڤيان وتعالى على المخزن القديم
وقفل
الخط
مليكة رفعت وشها الصغير
تبصله بابا
سليم بص لها بسرعة ونبرة صوته اتغيرت تماما وبقت حنينة أنا هنا يا
تم نسخ الرابط