لو سمحت يابيه
لو سمحت يابيه
سر العروسة لولا
الجزء الأول خيوط الماضي الممزقة
الفصل الأول زحام القلوب الجافة
كان شارع جامعة الدول العربية في تلك الساعة من المساء يشبه لوحة سريالية متحركة؛ أضواء السيارات الحمراء والصفراء تنعكس على زجاج واجهات المحلات الفاخرة، أصوات آلات التنبيه تتعالى في سيمفونية من التوتر البشري اليومي، ورائحة العوادم تختلط برائحة العطور الثمينة المنبعثة من السيارات الفارهة.
في وسط هذا المعترك، كانت الطفلة نور تتحرك كخيال باهت. جسدها الصغير الذي لم يتجاوز السادسة من عمره كان يبدو وكأنه يقاوم طاقة الرياح بالكاد. الجاكيت الصوف البني الذي ترتديه كان يخص شخصًا أكبر منها بكثير، يتدلى عن كتفيها النحيلين ليغطي نصف يديها، بينما كانت فردة شبشبها البلاستيكي المقطوعة تصدر ذلك الصوت الرتيب، حكّاً مستمرًا على الأسفلت البارد كيرتش.. كيرتش.
لم تكن نور تنظر إلى وجوه الناس بحثًا عن شفقة، بل كانت عيناها الواسعتان، اللتان يحاصرهما السواد من قلة النوم والتغذية، تركزان على شيء واحد؛ العروسة القماشية لولا. ، كأن هذه العروسة هي الحبل السري الوحيد الذي يربطها بالحياة، أو كأنها تخاف أن يسرق منها أحدهم أنفاس أمها الغائبة في فراش المړض.
على الجانب الآخر من الرصيف، كانت الأبواب الزجاجية لأحد الفنادق السبع نجوم تفتح لتخرج منها هيبة كامل بيه السلاب. الرجل الذي إذا ذُكر اسمه في البورصة انحنت المؤشرات احترامًا له. يرتدي بدلة من الصوف الإيطالي الأزرق الداكن، تفوح منه رائحة عطر فرنسي حاد، وفي معصمه تلمع ساعة باتيك فيليب من الذهب الوردي. كامل بيه لم يكن مجرد رجل أعمال؛ بل كان واجهة المجتمع المخملي، رئيس مؤسسة السلاب لإنقاذ الطفولة، الرجل الذي يظهر في رمضان بخلفية موسيقية حزينة تلامس القلوب، ليحدث
لكن خلف الكواليس، وفي تلك اللحظة تحديدًا، لم يكن كامل بيه يرى في الشارع سوى بضعة أمتار تفصله عن سيارته ال مرسيدس السوداء المصفحة، حيث ينتظره سائقه عم حسن ليقله إلى اجتماع مجلس إدارة مصيري قد يضيف إلى ثروته صفرًا جديدًا على اليمين.
حين اعترضت الطفلة طريقه، مدة يدها المرتجفة بالعروسة، تراجع كامل بيه خطوة إلى الوراء غريزيًا، كمن يتجنب بقعة طين قد تفسد حذاءه اللامع.
لو سمحت يا بيه، اشتري مني العروسة دي... ماما ما كلتش بقالها 3 أيام.
نظر كامل إلى ساعته بتوتر، وعقد حاجبيه بضيق مش فاضي دلوقتي يا شاطرة.. عندي اجتماع ومستعجل. روحي لله.
لم تتراجع نور، بل جرت خطوتين لتسد أمامه زاوية المرور، وتشبثت بالعروسة أكثر، وقالت بنبرة حادة لم يعتد كامل أن يسمعها من طفل أنا مش بطلب منك لله ولا بشحت.. أنا ببيعها لك. اسمها لولا.. أمي هي اللي خيطتها لي بإيدها من يوم ما اتولدت.
الټفت كامل بكامل جسده هذه المرة. كان على وشك أن ينادي أفراد أمن الفندق ليزيحوا هذه الطفلة من طريقه، وكان الصړاخ قد بدأ يتشكل في حنجرته... لكن الكلمات تيبست تمامًا.
نظر في عينيها. لم يكن هناك ذلك الانكسار المصطنع الذي يتدرب عليه أطفال الشوارع لاستدرار العطف. كانت عيناها تلمعان ببريق من الكبرياء والكرامة الصافية، تراب الشارع يغطي وجنتيها، لكن ملامحها كان فيها شيء مألوف... شيء يذكره بملامح قديمة لم يرها منذ سنوات طويلة. أصابعها الصغيرة المتسخة كانت تلف حول العروسة القماشية الدبلانة، والتي بدت وكأنها خُيطت من بقايا قماش قديم، لكن خياطتها كانت دقيقة ومنظمة للغاية، كأنها عمل يدوي لشخص محترف.
تنحنح كامل،
وشعر فجأة برغبة غريبة في إنهاء هذا الموقف ليس بالهرب، بل بالشراء. سألها
ردت بسرعة ودون تردد تسعين جنيه.. عشان أجيب بيهم عيش وشوربة، والعلاج اللي أمي محتاجاه جوة البيت.
فتح كامل محفظته الجلدية الفاخرة. استعرضت عيناه الأوراق النقدية؛ لم يكن هناك أي فئات صغيرة. سحب ورقة من فئة الألف جنيه، ومدها إليها.
برقت عينا نور پصدمة تراجعت على أثرها خطوة بس أنا معيش فكة يا بيه أرجعلك الباقي.
مش عايز باقي.. خديها.
نظرت الطفلة إلى الألف جنيه، ثم إلى العروسة لولا. ضمت العروسة إلى صدرها لآخر مرة، وقبلتها قبلة سريعة، ثم رفعت رأسها وسألته ببراءة قطعت نياط قلبه هتاخد بالك منها وتصونها يا بيه؟
شعر كامل بغصة غريبة تخنق حنجرته، غصة لم يشعر بها منذ عقود. أجاب بصوت خفيض، كأنه يقطع عهدًا أمام محكمة آه.. هصونها.. أوعدك.
وضعت الطفلة العروسة بين يديه الكبيرتين، والتفتت تجري بأقصى سرعة ممكنة، واختفت بين زحام محطة الأتوبيس، بينما ظلت يدها الصغيرة مغلقة بقوة على الورقة النقدية.
الفصل الثاني نبض في جوف القماش
ألغى كامل بيه اجتماعه. اعتذر بوعكة صحية طارئة، وهو أمر لم يفعله طوال ثلاثين عامًا من العمل المتواصل. جلس في المقعد الخلفي لسيارته، والعروسة القماشية مستلقية بجانبه على الجلد الفاخر. كان يتأملها بنوع من الريبة؛ عروسة مصنوعة من قماش جبردين زيتي اللون، تشبه ملابس العمال في المصانع، وعيناها عبارة عن زرارين أسودين قديمين، وفمها مطرز بخيط أحمر سميك.
حين وصل إلى شقته الفخمة في حي الزمالك، الشقة التي تطل على النيل وتتسع لعشر عائلات لكنه يعيش فيها بمفرده منذ ۏفاة زوجته وانشغال أولاده في الخارج، ألقى بجاكيته على الأريكة، وأخذ العروسة ووضعها على طاولة رخامية إيطالية ثمينة في مكتبه. كانت الطاولة تضم عقودًا بملايين الجنيهات، وقلمًا
قعد على كرسيه الجلدي الهزاز، وفك رابطة عنقه الكرافتة بتعب. مد يده ليمسك بالكأس، وفي اللحظة التي لامست فيها شفتاه حافة الزجاج، ساد الصمت في الشقة الواسعة... ثم انكسر الصمت.
خششش... خششش...
كان الصوت خفيفًا، كأنه احتكاك ورق جاف.
ثم تبعه صوت آخر.. أنين مكتوم وخاڤت جدًا أأأه...
توقف كامل عن الحركة. تجمد الكأس عند شفتيه. الټفت ببطء نحو النوافذ المغلقة بإحكام، ثم نحو الباب. ظن أن دقات قلبه أو ضغط دمه المرتفع يتهيأ له الأصوات. أعاد الكأس إلى الطاولة، لكن الصوت تكرر، وهذه المرة كان واضحًا ومحدد الاتجاه.
الصوت كان يخرج من العروسة القماشية.
نظر كامل إلى العروسة المرمية على الرخام البارد ووجهها المتخيط ينظر إلى السقف الجبسي الفاخر. اقترب بجسده، وحبس أنفاسه.
وفجأة... تحركت بطن العروسة.
حركة خفيفة، ارتفاع وانخفاض بالكاد يُرى بالعين المجردة، كأن هناك كائنًا صغيرًا محبوسًا بالداخل يحاول أن يستنشق الهواء، أو كأن القماش يرفض احتواء ما بداخله.
شعر كامل بقشعريرة تسري في عموده الفقري. هذا الرجل الذي واجه حيتان المال ولم يهتز، شعر بيده ترتجف وهو يفتح درج مكتبه ليخرج مقصًا معدنيًا حادًا. اقترب من العروسة، وأمسك بجسدها المرن. وضع حد المقص عند الخياطة السميكة التي تغلق بطنها، وبدأ يفك الغرز بحذر شديد، غرزة تلو الأخرى.
تناثرت بعض قطع القطن القديم الأصفر، وظهرت معها خيوط دايبة تفوح منها رائحة رطوبة قديمة... ورائحة أخرى مألوفة، رائحة زيت الماكينات والمصانع.
لم يكن بالداخل قطن فقط.
أدخل كامل أصابعه وسحب شيئًا صلبًا مغلفًا ببلاستيك شفاف ومحكم الإغلاق بشريط لاصق عريض.
أزال البلاستيك بسرعة
ونفاد صبر، لتسقط على الطاولة الرخامية مجموعتان
الأولى فلاش ميموري Flash