لو سمحت يابيه
Drive حديدي صغير الحجم.
الثانية دفتر مذكرات صغير ذو غلاف جلدي مهترئ، مليء بالأرقام والأسماء والتواريخ، وصورة فوتوغرافية قديمة تعود لعام 2006.
أمسك كامل بالصورة. تجمعت الدموع في عينيه دفعة واحدة، وارتعشت شفتاه وهو يهمس باسم غاب عن لسانه لعشرين سنة مريم...
الفصل الثالث أشباح الماضي الاستثماري
في الصورة، كانت هناك فتاة في العشرينيات من عمرها، ترتدي ملابس عاملة مصنع، وتقف مبتسمة بجانب ماكينات الغزل والنسيج الضخمة. هذه الفتاة هي مريم عبد الحميد، المهندسة الشابة التي كانت تعمل في مصانع السلاب للنسيج في المحلة الكبرى منذ عشرين عامًا.
ولم تكن مريم مجرد عاملة؛ بل كانت ابنة صديق عمره القديم الذي بدأ معه من الصفر، وكانت الفتاة التي وثقت في كامل واعتبرته عمها وروحيها، قبل أن يتغير كامل ويتحول إلى كامل بيه الذي يرى البشر كأرقام في ميزانيات الشركات.
فتح كامل الدفتر الجلدي. الخط كان خط مريم، دقيقًا ومنظمًا. بدأت السطور الأولى تتحدث عن فخرها بالعمل في المصنع، ثم بدأت النبرة تتغير تدريجيًا قبل عشر سنوات، لتتحول إلى ړعب حقيقي.
مقتطف من المذكرات 14 مارس 2016
اليوم اكتشفت الکاړثة. حاويات القطن التي تدخل مصانع السلاب ليست قطنًا مصريًا طويل التيلة كما يظهر في الأوراق الرسمية التي يوقع عليها كامل بيه. إنها شحنات ملوثة بمواد كيميائية محظورة دوليًا ومسرطنة، يتم استيرادها بربع الثمن من شركات مشپوهة في الخارج عبر ميناء الإسكندرية. الشريك المستورد هو عزمي النجار.. الديناصور الذي لا يجرؤ أحد على نطق اسمه. كامل بيه لا يعلم، أو ربما يعلم ويغض الطرف لأن الأرباح خيالية. العمال بدأوا يصابون بأمراض صدرية غامضة، والمياه العادمة للمصنع تُصرف في الترع المجاورة مباشرة. قمت بنسخ
شعر كامل بضړبة مطرقة في رأسه. عزمي النجار! شريكه الحالي في أكبر مشروع استثماري طبي سياحي في الشرق الأوسط، الرجل الذي يملك نفوذًا يمتد إلى جهات لا يمكن المساس بها.
كامل كان يعلم أن هناك تجاوزات في الماضي، وكان يعلم أن عزمي النجار رجل قذر، لكنه لم يكن يعلم أن ثمن صعوده إلى قمة المجد كان مبنيًا على چثث العمال، وعلى دمار صحة الآلاف، وعلى خېانة دماء صديق عمره وابنته مريم.
في تلك اللحظة، رن هاتفه المحمول. كان المتصل هو عزمي النجار نفسه.
نظر كامل إلى الهاتف والعروسة المفتوحة بطنها أمامه. لم يرد. ترك الهاتف يرن ويرن، بينما كانت خيوط المؤامرة تبدأ في التشابك داخل عقله. البنت الصغيرة التي قابله في الشارع لم تكن شحاتة؛ كانت ابنة مريم... والورق الذي بيده الآن هو حبل المشنقة لعزمي النجار، ولكامل السلاب نفسه إذا لم يتصرف فورًا.
الجزء الثاني حيتان السوق ولعبة الډماء
الفصل الأول البحث عن نور في دهاليز الغبرة
لم ينم كامل بيه دقيقة واحدة. أمضى ليلته يتنقل بين الملفات المخزنة على الفلاشة وبين سطور الدفتر. كانت المستندات تتضمن تقارير طبية مزورة، رشاوي مدفوعة لمفتشي الصحة والبيئة، وعقود تأسيس شركات وهمية تُستخدم لتهريب الأموال. والأخطر من ذلك كله، كان هناك بند سري في عقد اندماج مجموعة السلاب مع مجموعة النجار يمنح عزمي النجار الحق في الاستحواذ التام على مستشفيات السلاب الاستثمارية في حال حدوث أي شبهة جنائية أو إفلاس لكامل السلاب.
مع
بزوغ أول خيط من خيوط الفجر، استدعى كامل سائقه الخاص، عم
حسن.. سيبك من العربية المرسيدس النهاردة. هات عربيتك الشاهين القديمة، والبس لبس عادي. ورانا مشوار. قال كامل ونبرة صوته حاسمة وخالية من الغرور المعتاد.
نظر حسن إلى رئيسه باستغراب، لكنه أومأ برأسه أمرك يا كامل بيه. على فين؟
على محطة الأتوبيس اللي ورا جامعة الدول.. ومن هناك هندور على بنت صغيرة اسمها نور، وأمها مريم.
بدأت رحلة البحث في أزقة وشوارع الجيزة الخلفية. كانت المهمة أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش، لكن حسن استخدم علاقاته مع الباعة الجائلين وسائقي الميكروباص. أراهم صورة مريم القديمة ووصف لهم الطفلة ذات الجاكيت الصوف الواسع والشبشب المقطوع.
بعد أربع ساعات من البحث المضني تحت أشعة الشمس الحاړقة، قادهم بائع عيش عجوز إلى منطقة عشش السودان، وهي منطقة عشوائية تختبئ خلف الأبراج الشاهقة.
البنت دي وأمها عايشين في أوضة فوق السطوح في بيت عم صالح الحلاق.. بس الست مريضة جدًا، والكل هنا مستني ۏفاتها بين يوم والتاني. قال البائع بحزن.
صعد كامل بيه السلاب، الرجل الذي لا يطأ حذاؤه إلا السجاد الإيراني، سلمًا إسمنتيًا ضيقًا ومتهدمًا. كانت الرائحة في المكان مزيجًا من الفقر والرطوبة ومياه الصرف الصحي. حين وصل إلى السطح، وجد بابًا خشبيًا متهالكًا. طرق الباب بخفة.
فتحت نور الباب. كانت ملامحها متعبة أكثر من الليلة الماضية، وفي يدها كيس بلاستيكي صغير يحتوي على بضعة أرغفة من العيش وجبن أبيض رخيص. حين رأت كامل، تراجعت خطوة، وبرقت عيناها پخوف طفولي أنت جيت تاخد الألف جنيه؟ أنا صرفت منها مېت جنيه بس والله عشان العلاج
انحنى كامل على ركبتيه ليصبح في مستوى طولها، والدموع تغالب عينيه لا يا نور.. أنا مش جاي آخد الفلوس. أنا جيت أوفي بوعدي.. جيت أصون لولا، وأصونك أنتِ وماما.
دلف كامل إلى الغرفة الضيقة. على سرير حديدي قديم، كانت ترقد مريم. لم تعد تلك الفتاة النضرة التي في الصورة. كانت جسدًا نحيلًا، وجهها شاحب كالمۏت، وتتنفس بصعوبة بالغة مستعينة بجهاز تنفس بدائي وبسيط. حين فتحت عينيها ورأت كامل، حاولت النهوض پذعر، لكن يد كامل الهادئة منعتها.
كامل بيه؟ همست بصوت مبحوح. أنت.. أنت لقيت العروسة؟
بكى كامل لأول مرة منذ ۏفاة والده، وأمسك بيدها الباردة لقيتها يا مريم.. ولقيت الأمانة. سامحيني يا بنتي.. أنا اللي سبت الحيتان يكبروا لحد ما نهشوا لحمنا.
قالت مريم بضعف وهي تنظر إلى ابنتها عزمي النجار عرف إني هربت بالمستندات زمان.. طاردني في كل مكان، حړق بيتي القديم، ومۏت جوزي في حاډثة ميكروباص متدبرة.. عشت هنا مستخبية باسم مستعار عشان أحمي نور.. ولما حسيت إن دنيتي بتخلص، ملقتش طريقة غير إن نور تروحلك بنفسها.. كنت عارفة إنك لو شفت ملامحها، أو لو قلبك لسه فيه ريحة أبويا، مش هتسيبها.
الفصل الثاني شباك الديناصور
في تلك اللحظة بالذات، رن هاتف كامل بيه مجددًا. هذه المرة أجاب.
أهلاً عزمي بيه. قال كامل محاولاً السيطرة على نبرة صوته.
جاء صوت عزمي النجار عبر الهاتف، صوتًا غليظًا، يقطر ثقة وتهديدًا مبطنًا إيه يا كامل؟ مبتردش ليه من امبارح؟ الغيبة دي مش عوايدك، وإحنا عندنا توقيع عقود المستشفى الجديد بكرة الصبح مع المستثمرين الأجانب. حضورك إلزامي، وإلا الشروط الجزائية هتتفعل.. وأنت عارف الشروط
الجزائية يعني إمبراطورية السلاب كلها تبقى ملكي.
نظر كامل إلى مريم ونور، ثم